محمد هادي معرفة
73
التمهيد في علوم القرآن
من جهة أنّ حاصلهما هو انتقال الذهن من مفهوم اللفظ إلى ما يلازمه ، ثمّ تلك الملازمة إمّا أن تكون دلالة على جزء المفهوم ، أو تكون دلالة على معنى يصاحب المفهوم ، فالأول هو الدلالة التضمنية ، والثاني هو الدلالة الخارجية ، وهما جميعا من اللوازم ، ثمّ إنّ تلك اللوازم تارة تكون قريبة ، وتارة تكون بعيدة ، فمن أجل ذلك صحّ تأدية المعاني بطرق كثيرة ، بعضها أكمل من بعض ، وتارة تزيد ، ومرّة تنقص ، فلأجل هذا اتّسع نطاق البلاغة وعظم شأنه ، وارتفع قدره وعلا أمره ، فربّما علا قدر الكلام في بلاغته حتى صار معجزا لا رتبة فوقه ، وربّما نزل الكلام حتى صار ليس بينه وبين نعيق البهائم إلّا مزيّة التأليف والتركيب ، وربّما كان متوسّطا بين الرتبتين ، وقد يوصف اللفظ بالجودة ، لكونه متمكنا في أسلات الألسنة غير ناب عن مدارجها ، ولا قلق على سطح اللسان ، جيّدا سبكه صحيحا طابعه ، وأنه في حقّ معناه من غير زيادة عليه ولا نقصان عنه ، وقد يذمّونه بنقائض هذه الصفات بأنه معقّد جرز ، وأنه لتعقيده استهلك المعنى ، يمشي اللسان إذا نطق به كأنه مقيّد ، وحشيّ ، نافر ، نازل القدر ، طويل الذيول من غير فائدة ، ولا معنى تحته ، وقد يصفون المعنى بالجودة بأنه قريب جزل ، يسبق إلى الأذهان قبل أن يسبق إلى الآذان ، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك ، حتى كأنه يدخل إلى الأذن بلا إذن ، وقد يذمّونه بكونه ركيكا نازل القدر ، بعيدا عن العقول ، وهلمّ جرّا إلى سائر ما ذكرناه من جهة المعنى على جهة المناقضة ، والقرآن كلّه من أوله إلى آخره حاصل على هذه المزايا ، موجودة فيه على أكمل شيء وأتمّه ، فللّه درّه من كتاب اشتمل على علوم الحكمة وضمّ جوامع الخطاب ، وأودع ما لم يودع غيره من الكتب المنزلة من حقائق الاجمال ودقائق الأسرار المفصّلة . وبعد ذلك خاض محاسن الآية مستخرجا لآليها قائلا : وإذا أردت أن تكحل بصرك بمرود التخييل ، والاطّلاع على لطائف