محمد هادي معرفة

67

التمهيد في علوم القرآن

جملة ألفاظه غريبة ، بعيدة عن الاستعمال العام ، وقع الاختيار عليها لحكمة هي مقتضي الحال والمقام ، فضلا عن جرس اللفظة في هذا التناسب والوئام . قال جلال الدين السيوطي : أتى بأغرب ألفاظ القسم ، وهي التاء ، فإنّها أقلّ استعمالا وأبعد من أفهام العامّة بالنسبة إلى الباء والواو . وبأغرب صيغ الأفعال الناقصة ، فإنّ « تزال » أقرب إلى الأفهام ، وأكثر استعمالا من « تفتأ » وبأغرب الألفاظ الدالّ على الإشراف على الهلاك « حرضا » . فاقتضى حسن الوضع في النظم أنّ تجاور كل لفظة بلفظة من جنسها في الغرابة ، توخّيا لحسن الجوار ، ورغبة في ائتلاف المعاني مع الألفاظ ، ولتتعادل الألفاظ في الوضع ، وتتناسب في النظم ، فضلا عن تناسب الغريب في التعبير مع الغريب من حالة نبيّ اللّه يعقوب ( عليه السّلام ) « 1 » . دقائق ونكات : ذكر جلال الدين السيوطي عن البارزيّ أنه قال - في أوّل كتابه « أنوار التحصيل في أسرار التنزيل » - : اعلم أنّ المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض ، وكذلك كل واحد من جزئي الجملة قد يعبّر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر . . . ولا بدّ من استحضار معاني الجمل ، أو استحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ، ثم استعمال أنسبها وأفصحها . . . واستحضار هذا متعذّر على البشر في أكثر الأحوال . . . وذلك عتيد حاصل في علم اللّه تعالى . فلذلك كان القرآن أحسن الحديث وأفصحه . وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح ، والمليح والأملح . . . ولذلك أمثلة :

--> ( 1 ) معترك الاقران : ج 1 ص 389 .