محمد هادي معرفة
632
التمهيد في علوم القرآن
ثلاث آيات تقرّ الألسن بعيّها ، لو أراد الثقلان تسلية المغيظ المحنق ؛ لأخذت من أفاصحهم بالمخنق ، إن همّوا بإنشاء سورة توازيها ، وثلاث آيات تدانيها ، هيهات قبل ذلك يشيب الغراب ، ويسيب الماء كالسراب . ودع عنك حديث الصرفة « 1 » ، فما الصرفة إلّا صفرة « 2 » من النظّام ، وفهّة « 3 » منه في الإسلام ، ولقد ردّت على النظّام صفرته ، كما ردّت عليه طفرته ، ولو صحّ ما قاله لوجب في حكمة اللّه البالغة ، وحجّته الدامغة أن ينزّله على أركّ نمط وأنزله ، وأفسل « 4 » أسلوب وأسفله ، وأعراه من حلل البلاغة وحليّها ، وأخلاه من بهيّ جواهر العقول وثريّها ، ثمّ يقال لولاة أعلى الكلام طبقة وأمتنه ، ولأرباب آنقه طريقة وأحسنه : هاتوا بما ينحو نحوه ، وهلمّوا بما يحذو حذوه ، فيعترضهم الحجز ، ويتبيّن فيهم العجز ، فيقال قد استصرفهم اللّه عن أهون ما كانوا فيه ماهرين ، وأيسر ما كانوا عليه قادرين ، ألم ترهم كيف كانوا يعنقون « 5 » في المضمار فوقفوا ، وينهبون الحلبة بخطاهم فقطفوا « 6 » ، ولا يقال اللّه قادر على أن يأتي بما هو أفصح وأفصح ، وأملح لفظا ومعنى وأملح ، فهلّا أتى بذلك المتناهي في الفصاحة ، والمتمادي في الملاحة ، فإنّ الغرض اتّضاح الحجّة وقد اتّضحت ،
--> ( 1 ) الصرفة : هي ممّا ذهب إليه النظّام المعتزلي في إعجاز القرآن ، وهو صرف الدواعي عن المعارضة ، ومنع العرب عن الاهتمام به جبرا وتعجيزا ؛ حتى لو خلّاهم سبحانه لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة من مثله بلاغة وفصاحة ونظما . انظر « الملل والنحل 1 : 58 » . ( 2 ) يقال : إنّه لفي صفرة ، للّذي يعتريه الجنون ، إذا كان في أيام يزول فيها عقله ، لأنهم كانوا يمسحونه بالزعفران . ( 3 ) الفهة : السقطة والجهلة . يقال : فهّ الرجل يفّه فهاهة وفهة ، فهو فهّ وفهيه : إذا جاءت منه سقطة من العيّ وغيره . ( 4 ) الفسل : الرديء من كل شيء . ( 5 ) يعنقون : أي يسرعون . ( 6 ) القطاف : تقارب الخطو في سرعة ، من القطف : وهو القطع .