محمد هادي معرفة
630
التمهيد في علوم القرآن
وحذف اللام الأخرى لدلالته عليها بالأولى ، مع مراعاة حقّ التسجيع ، الذي هو من جملة صنعة البديع ، إذا ساقه قائله مساقا مطبوعا ، ولم يكن متكلّفا أو مصنوعا ، كما ترى أسجاع القرآن وبعدها عن التعسّف ، وبراءتها من التكلّف . وقال : « لربك » ، وفيه حسنان ، وروده على طريقة الالتفات « 1 » التي هي أمّ من الامّهات ، وصرف الكلام عن لفظ المضمر ، إلى لفظ المظهر ، وفيه إظهار لكبرياء شانه ، وإنافة لعزّة سلطانه ، ومنه أخذ الخلفاء قولهم : يأمرك أمير المؤمنين بالسمع والطاعة ، وينهاك أمير المؤمنين عن مخالفة الجماعة . وعن عمر بن الخطاب أنّه حين خطب الأزدية أتى أهلها فقال لهم : خطب إليكم سيّد شباب قريش مروان بن الحكم ، وسيّد أهل المشرق حسن بن بجيلة ويخطب إليكم أمير المؤمنين - عنى نفسه - . وعلم بهذه الصفة أنّ من حقّ العبادة أن يخصّ بها العباد ربّهم ومالكهم ، ومن يتولّى معايشهم ومهالكهم ، وعرّض بخطإ من سفه نفسه ونقض قضيّة لبّه ، وعبد مربوبا وترك عبادة ربّه . وقال : « إنّ شانئك » فعلّل الأمر بالإقبال على شانئه وقلّة الاحتفال بشنآنه ، على سبيل الاستئناف ، الذي هو جنس حسن الموقع رائعه ، وقد كثرت في التنزيل مواقعه ، ويتّجه أن يجعلها جملة للاعتراض ، مرسلة إرسال الحكمة لخاتمة الأغراض ، كقوله تعالى : إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ « 2 »
--> ( 1 ) قال ابن حمزة العلوي في الطراز 2 : 132 : الالتفات : هو العدول من أسلوب في الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأول ، وهذا أحسن من قولنا : هو العدول من غيبة إلى خطاب ، ومن خطاب إلى غيبة ، لأنّ الأول يعمّ سائر الالتفاتات كلّها ، والحدّ الثاني إنّما هو مقصور على الغيبة والخطاب لا غير ، ولا شكّ أنّ الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع ، وقد يكون على عكس ذلك ، فلهذا كان الحدّ الأول هو أقوى دون غيره . ( 2 ) القصص : 26 .