محمد هادي معرفة
62
التمهيد في علوم القرآن
ألفاظ . الثاني : أنّ في قولهم « القتل أنفى للقتل » تكريرا ليس في الآية . الثالث : أنّه ليس كلّ قتل نافيا للقتل ، إلّا إذا كان على حكم القصاص . قال : وقد صاغ أبو تمام هذا المعنى الوارد عن العرب في بيت من شعره ، فقال : وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم * أن الدم المعترّ يحرسه الدم « 1 » فقوله : « إن الدم المعترّ يحرسه الدم » أجمل أسلوبا وأحسن أداء من قولة العرب . وقال أبو هلال العسكري : والإيجاز ، القصر والحذف ، فالقصر تقليل الألفاظ وتكثير المعاني وهو قول اللّه عزّ وجلّ : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ويتبيّن فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه ، وهو قولهم : « القتل أنفى للقتل » فصار لفظ القرآن فوق هذا القول ، لزيادته عليه في الفائدة ، وهو إبانة العدل لذكر القصاص ، وذكر العوض المرغوب فيه لذكر الحياة واستدعاء الرغبة والرهبة لحكم اللّه به ، ولإيجازه في العبارة ، فإنّ الذي هو نظير قولهم « القتل أنفى للقتل » انما هو « القصاص حياة » وهذا أقلّ حروفا من ذلك ، ولبعده من الكلفة بالتكرير ، ولفظ القرآن برئ من ذلك . وبحسن التأليف ، وشدة التلاؤم المدرك بالحسّ ، لأنّ الخروج من الفاء إلى اللام أعدل من الخروج من اللام إلى الهمزة « 2 » . وقال جلال الدين السيوطي : وقد فضلّت الآية على قولة العرب بعشرين وجها أو أكثر ، وإن كان لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق ، وإنّما العلماء
--> ( 1 ) ديوان أبي تمام : ص 274 . والمعترّ : المضطرب لخوف الخطر . ( 2 ) انظر الصناعتين : ص 175 . هامش المثل السائر : ج 2 ص 352 - 353 .