محمد هادي معرفة

610

التمهيد في علوم القرآن

فكشف عن وجه الإعجاز في ثلاث آيات منها ، ثمّ ترقّى إلى ثلاث آيات اخر ، فكشف عنها أيضا وجه الإعجاز إلى أن ينتهي إلى آخرها ، مع شدّة الحاجة إلى ذلك في كل زمان ، إذ حجّة اللّه تعالى قائمة ، ومعجزته على وجه الدهر باقية . وكذلك لم ينقل أنّهم صنّفوا في هذا الباب على هذا الوجه تصنيفا مع تهالكهم وولوعهم ، والعجب أنّهم صنّفوا في حليّ الصحابة والتابعين وهيئاتهم ، فذكروا الطوال منهم والقصار ، ومن ابتلي منهم بالعمى والعور والعرج والعجمة والزمانة والشلل ، مع أنّ بالخلق مندوحة وغنية عن ذلك . وهذا أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ صنّف كتبا في الجدّ والهزل تكاد لا تعدّ ولا تحصى ، فصنّف كتابا سمّاه « القعرة والشفرة » « 1 » وآخر سمّاه « مفاخرة الشتاء والصيف » إلى أشباء هذا كثيرة ، صعد فيها وصوب ، وشرّق وغرّب ، وحشاها بما لا حاجة للخلق فيه إلى معرفته . ثمّ لمّا آل الأمر إلى بيان وجه الإعجاز على التفصيل آية فآية وسورة فسورة ، ضمّ شفتيه ضمّا ، وختم على لسانه ختما ، فلم ينبس بكلمة أو كلمتين ورضي من الغنيمة بالإياب « 2 » . وإذ صحّ أنّ السلف رحمهم اللّه مع تقدّم الخواص منهم في علم البيان ، والتبحّر في الإحاطة بحقائق المعاني ، وصدق رغبتهم في إحراز الثواب ، وحاجتهم إلى أن يكون لهم لسان صدق في الآخرين ممرّ الأحقاب ، لم يشتغلوا ببيان الإعجاز على التفصيل في كلّ آية منه ، بل أعرضوا عن ذلك بواحدة مع أنّهم

--> ( 1 ) امرأة قعرة وقعيرة : بعيدة الشهوة ، عن اللحياني . وقيل : هي التي تجد الغلمة في قعر فرجها . وقيل : هي التي تريد المبالغة . وقيل : نعت سوء في الجماع . والشفرة والشفيرة من النساء : التي تجد شهوتها في شفرها فيجيء ماؤها سريعا . وقيل : هي التي تقنع من النكاح بأيسره ، وهي نقيض القعيرة . ( 2 ) مثل سائر ، أول من قاله امرؤ القيس بن حجر في بيت له ، وهو : وقد طوّفت في الآفاق حتى * رضيت من الغنيمة بالإياب يضرب عند القناعة بالسلامة . « مجمع الأمثال 1 : 295 / 1560 » .