محمد هادي معرفة

603

التمهيد في علوم القرآن

الكلام فإنّه يكسبه بلاغة ورشاقة ، ويزيده وضوحا ، ويصير كالشامة في بدن الإنسان ويزيده في الأذهان قبولا ونضارة . الثامن : جودة المطالع والاستفتاحات للكلام ، اعلم أنّ ما هذا حاله تتفاوت الناس فيه كثيرا ، فإنه إذا كان حسنا كان مفتاحا للبلاغة وديباجة للبراعة ، ولهذا فإنك تجد الافتتاحات في القرآن الكريم على أحسن ما يكون وأبلغه ، لملاءمة المقصود بالسورة من إيقاظ كقوله تعالى : يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ، يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ، يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ ، يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ « 1 » وغير ذلك ، أو بشارة كقوله تعالى : قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ « 2 » أو إنذار كقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ « 3 » وهكذا جميع السور فإنها دالّة على المقصود في الابتداء . التاسع : التخلّص ، وهو عبارة عن الخروج إلى المقصد المطلوب عقيب ما ذكره من قبل ، ومثاله قوله تعالى في سورة المدّثّر : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ « 4 » ثمّ تخلّص بعد ذلك إلى ما هو المقصود بقوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً « 5 » فلمّا اتّعظ الرسول بالأمر بالإنذار عقّبه بالوعيد الشديد للوليد بن المغيرة بقوله : ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً إلى آخر الآيات ، وهكذا في كل سورة تجده يتخلّص إلى المقصود بأعجب خلاص ، كما قال تعالى في سورة النور : سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها « 6 » ثمّ تخلّص يذكر حكم الزانية والزاني إلى ما هو المقصود بعد ما قدّم ما قدّمه من ذكر السورة المفروضة المحكمة . العاشر : الاختتامات ، وهو عبارة عن توخّي المتكلّم ختم كلامه بما يشعر بالنجاح والتمام لغرضه ، وهذا تجده في القرآن على أحسن شيء وأعجبه ، فإنّ

--> ( 1 ) وهي فواتح سور : المزّمّل ، المدّثّر ، النساء ، الأحزاب . ( 2 ) المؤمنون : 1 . ( 3 ) الحج : 1 . ( 4 ) المدّثّر : 1 و 2 . ( 5 ) المدّثّر : 11 . ( 6 ) النور : 1 .