محمد هادي معرفة
585
التمهيد في علوم القرآن
الأول منها : استعارة المحسوس للمحسوس ، وهذا كقوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً « 1 » فالمستعار هو النار ، والمستعار له هو الشيب بواسطة الانبساط والإسراع ، فالطرفان محسوسان كما ترى ، والجامع بينهما محسوس ، ولكنه في النار أظهر ، ويلحق بهذا الضرب قوله تعالى : إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ « 2 » فالمستعار له هو الريح ، والمستعار منه هو المرأة ، والجامع بينهما عدم الإنتاج وظهور الأثر ، فالطرفان هاهنا حسّيان ، لكن الجامع بينهما أمر عقلي ، بخلاف الأولى ، فإنّ الجامع أمر حسّيّ . ومن هذا قوله تعالى : وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ « 3 » فالمستعار له هو ظهور النهار من الليل وظلمته ، والمستعار منه هو ظهور المسلوخ من جلده ، فالطرفان حسّيان كما ترى ، والجامع بينهما ما يعقل من ترتيب أحدهما على الآخر . ومنه قوله تعالى : فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ « 4 » فالمستعار له هو الأرض المتزخرفة المتزيّنة بالنبات ، والمستعار منه هو نباتها ، وهما حسّيان ، والجامع بينهما الهلاك ، وهو أمر معقول غير محسوس . ومن هذا قوله تعالى : حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ « 5 » فأصل الخمود للنار ، فالمستعار منه هو النار ، والمستعار له هو القوم المهلكون ، والجامع بينهما هو الهلاك . ونحو قوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ « 6 » فالمستعار منه هو الطائر ، والمستعار له هو الولد ، والجامع بينهما هو لين العريكة وانحطاط الجانب ، وهو معقول غير محسوس .
--> ( 1 ) مريم : 4 . ( 2 ) الذاريات : 41 . ( 3 ) يس : 37 . ( 4 ) يونس : 24 . ( 5 ) الأنبياء : 15 . ( 6 ) الإسراء : 24 .