محمد هادي معرفة

583

التمهيد في علوم القرآن

هاهنا هي المشبّهة وهي عقلية ، بالسبع وهو حسّي ، قال : وإذا المنيّة أنشبت أظفارها * ألفيت كلّ تميمة لا تنفع ورابعها : أن يكون المشبّه حسّيا والمشبه به عقليا كالعطر بخلق الكريم ومنه قوله تعالى : أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ « 1 » فشبّه حال الكفرة في ما هم فيه من الكفر والجحود والإصرار والتمادي على الباطل بظلمات بعضها فوق بعض ، فلا يدرك لها حالة في النور ولا يهتدي إليه . الرابع : في حكم التشبيه ، وربّما كان قريبا ، وربّما كان بعيدا ، وتارة يكون واضحا ، ومرّة يكون خفيا ، وربّما كان غريبا وحشيا ، وربّما كان مألوفا . واعلم أنّ جميع التشبيهات الواردة في كتاب اللّه تعالى خالية عن هذه الشوائب كلّها ، أعني الغرابة والبعد في مفرداتها ومركّباتها ، لا يعترضها شيء من هذه العوارض في التشبيهات الواردة في غيرها ، والحمد للّه . فأمّا المفردة فهي كل ما كان التشبيه فيها حاصلا باعتبار صورة بصورة ، أو معنى بمعنى من غير زيادة ، وهذا كقوله تعالى : فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ « 2 » فشبّه السماء يوم القيامة بالدّهان ، وهو الجلد الأحمر ، ونحو قوله تعالى : فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ « 3 » فشبّه العصا بالجانّ لا غير ، من غير زيادة ، وهي كثيرة في القرآن ، أعني التشبيهات المفردة ، وهي في ورودها على جهة القرب في تشبيهها غير بعيدة ، ومألوفة غير مستنكرة ، قد حازت من اللطافة والرقّة ما لا يخفى حاله على ناظر ، ومثال البعيد تشبيه الفحم - إذا كان فيه جمر - ببحر من مسك موجه ذهب ، ونحو تشبيه الدم بنهر من ياقوت ، فما هذا حاله يصعب وجوده إلّا على جهة التصوّر ، ومثال الخفيّ تشبيه الأمور المحسوسة بالمعاني ، كما شبّهت النجوم

--> ( 1 ) النور : 40 . ( 2 ) الرحمن : 37 . ( 3 ) النمل : 10 ، القصص : 31 .