محمد هادي معرفة
574
التمهيد في علوم القرآن
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ « 1 » التقدير فيه : أعرضوا عن استماعه ونكصوا عن قبوله ، ويدلّ عليه ما بعده . ومن أراد الاطّلاع على حقيقة البلاغة من الإيجاز بالحذف فعليه بتلاوة سورة يوسف ، فإنه يجد هناك ما فيه شفاء لكل علّة ، وبلال لكل غلّة . النوع الثاني : الإطناب وهو تأدية المقصود من الكلام بأكثر من عبارة متعارف عليها . ثم إنه يأتي على أوجه ثلاثة : ( أولها ) أن يكون مجيئه على جهة التفصيل ، ومثاله قوله تعالى : قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ « 2 » فهذا وما شاكله فيه تفصيل بالغ وتعديد لمن يجب الإيمان به من الأنبياء ، وما أوتوا من الكتب المنزلة على أتمّ وجه وأبلغه ، ولو آثر إيجازه لقال : قولوا آمنّا باللّه وبجميع رسله وما أوتوا ، لكنه بسطه على هذا البسط العجيب ، لما فيه من وفائه بالإيمان باللّه وبرسله وما اشتمل عليه من ذكر هذه الزوائد المؤكّدة . ومنه قوله تعالى : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ « 3 » . فلينظر الناظر ، وليحكّ قريحته بالتأمّل البالغ فيما اشتملت عليه هذه الآية الباهرة من شرح عجائب هذه المخلوقات ، واختلاف أنواع المكوّنات ، وترتيبها
--> ( 1 ) يس : 45 . ( 2 ) آل عمران : 84 . ( 3 ) البقرة : 164 .