محمد هادي معرفة

572

التمهيد في علوم القرآن

في هؤلاء بعضهم على بعض ، باعتبار أمر جامع ، وهو تكذيب الرسل وجحد ما جاءوا به من المعجزات الظاهرة ، فهم وإن اختلفوا وتباينوا فهم متّفقون فيما ذكرناه ، وهكذا قوله تعالى : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ « 1 » إنّما عطف أحدهما على الآخر باعتبار كونهما ضدّين ، والضدّ ملازم لضدّه ، فهذا هو الذي سوّغ العطف فيهما ، ولا تزال في تصفّحك لآي التنزيل ، واستهلال أسراره تطّلع على فوائد جمّة ، ونكت غزيرة . النظر الخامس في الإيجاز والإطناب والمساواة ، اعلم أنّ الكلام بالإضافة إلى معناه كالقميص بالإضافة إلى قدّ من هو له ، فربّما كان على قدر قدّه من غير زيادة ولا نقصان ، وهذا هو المساواة ، وتارة يكون زائدا على قدّه ، وهذا هو الإطناب ، وربّما نقص عن قدّه ، وهذا هو الإيجاز . فإذا الكلام لا يخلو عن هذه الأنواع الثلاثة ، ونحن نذكرها : الأول : الإيجاز وهو في مصطلح أهل هذه الصناعة عبارة عن تأدية المقصود من الكلام بأقلّ من عبارة متعارف عليها . ثم إنه يأتي على وجهين : ( أحدهما ) القصر ، وهو الإتيان بلفظ قليل تحته معان جمّة ، وهذا كقوله تعالى : وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ « 2 » فإنه قد دلّ على معناه بأوجز عبارة وأخصرها ، وقد فاق على ما أثر عن العرب في معناه من قولهم ( القتل أنفى للقتل ) من أوجه : من جهة إيجازه ، فإنّ حروفه عشرة ، وما قالوه أربعة عشر حرفا .

--> ( 1 ) الأنعام : 1 . ( 2 ) البقرة : 179 .