محمد هادي معرفة

566

التمهيد في علوم القرآن

وقوله تعالى : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ « 1 » فأتى بقوله : قالَ يا آدَمُ مجرّدا عن الواو تنبيها على إيضاح الوسوسة وكشف غطاها وشرح تفاصيلها ، ولو أتى بالواو لم يعط هذا المعنى لما فيها من إيهام التغاير المؤذّن بعدم الكشف والإعراض عن التقرير . ورابعها : أن تكون الجملة الثانية واردة على جهة رفع التوهّم عن الجملة الأولى عن أن تكون مسوقة على جهة التجوّز والسهو والنسيان ، ومثاله قوله تعالى في صدر سورة البقرة : ألم . ذلِكَ الْكِتابُ « 2 » فلمّا كانت هذه الجملة واردة على جهة الإيضاح بأنّ هذا القرآن قد بلغ أعلى مراتب الكمال ، وسيقت على المبالغة بإعظامه ، وأنه لا رتبة فوقه ، حيث صدّر السورة بالأحرف المقطّعة إشعارا ببلاغته ، وجيء باسم الإشارة مع اللام تنبيها على ما تضمّنته من البعد على صفة الإغراق في وصفه ، فلمّا كان الأمر فيه هكذا ، سبق إلى فهم السامع أنّ ما يرقى به من هذه السمات البالغة إنما هي على جهة الخرف والسهو والذهول ، وأنه لا حقيقة لها ، أراد رفع الوهم بما عقّبه من الجمل المردفة ، فلهذا وردت من غير واو ، إشعارا بما ذكرناه ، فقال : لا رَيْبَ فِيهِ أي ليس أهلا لأن يكون مرتابا فيه ، وأن يكون محطّا للريبة ومحلّا لها ، ثم أردفه بقوله تعالى : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ أي : إنه هاد لأهل التقوى معطيا لهم حظّ الهداية به . ومن هذا قوله تعالى : ما هذا بَشَراً « 3 » ثم قال : إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ « 3 » فقوله : إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ سيق من أجل رفع الوهم بالجملة الأولى ، غير أن تكون على ظاهرها من الدلالة على الإغراق في مدحه . ومنه قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً « 5 » فقوله : كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً

--> ( 1 ) طه : 120 . ( 2 ) البقرة : 1 و 2 . ( 3 ) يوسف : 31 . ( 5 ) لقمان : 7 .