محمد هادي معرفة
524
التمهيد في علوم القرآن
الأربعين أربعة من كلّ عشرة واحدا ، ثم اختاروا من تلك الأربعة رجلا واحدا ، فناظر ذلك العالم ، ثم إنّ ذلك العالم استطال عليه وقطعه وحده وبلّده ، فإنه يكون لا محالة لغيره أقطع ، وعلى تحيّرهم وإدهاشهم أقدر . فهكذا حال القرآن إذ كان فائقا لكلام رسول اللّه وكلام أمير المؤمنين ، فهو لغيرهما بذلك أحقّ لعلوّ الرتبة ، وأعظم استبدادا بالفصاحة وأحوى لأسرار البلاغة . الثالث : هو أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لمّا أيّده اللّه بالقرآن جعله له معجزة باقية على وجه الدهر ، لا تنقضي عجائبه ، ولا تخلق على كثرة الترداد جدّته . وقد عرضه على من كان في وقته . من أهل الفصاحة من قريش وغيرهم ، فحيّر ألبابهم ، وأدهش أفهامهم ، وخرق قراطيس أسماعهم ، وما ذاك إلّا لمّا تحقّقوا وعرفوا من بلوغه الغاية في فصاحته ، وإنافته على كل كلام في جزالته وبلاغته ، حتى قال الوليد بن المغيرة فيه ما قال حين جاء إلى الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقال له : أتل عليّ يا محمّد ما أنزل إليك ، فأسرع الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى ذلك طمعا في الانقياد ، فقرأ الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : بسم الله الرحمن الرحيم . حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ . كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ . . . إلى آخر حم السجدة ، فقال : إنّ أعلاه لمورق ، وإنّ أسفله لمعذق ، وإنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، فما تيسّر منهم إنسان ، ولا فاه لأحد منهم لسان ، إلى مماثلة شيء من أساليبه ، ولا إلى الإتيان بأقصر سورة من سوره . وهذا يدلّك على أمرين ، أحدهما : اختصاصه بما لا يقدرون عليه ، ولهذا أظهروا الإعجاب من نفوسهم ، وخرجوا بالاستطراف من ألسنتهم . وثانيهما : علمهم بالعجز واعترافهم بالقصور . فهذا ما أردنا ذكره من الدلالة على كونه بالغا أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة من جهة الإجمال ، واللّه تعالى أعلم بالصواب .