محمد هادي معرفة
516
التمهيد في علوم القرآن
يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ « 1 » . سألوا عن الذي ينفقونه ، فأجيبوا ببيان مصارف الإنفاق ، تنبيها على أنّ المهمّ هو معرفة موضع الإنفاق ، أمّا الذي يجب أن ينفق فهو خير ما تيسّر ، من أيّ جنس كان . لأنّ النفقة لا يعتدّ بها إلّا أن تقع موقعها . وكل ما فيه خير وصلاح فهو صالح للإنفاق . ومن ثم ختمت الآية بنوايا صاحب الإنفاق وأنّ اللّه عليم بذات الصدور « 2 » . الاستدراج : وسمّاه بعضهم « مجاراة الخصم » ليعثر ، بأن يسلّم له بعض مقدّماته حيث يراد تبكيته وإلزامه ، كمن يجاري الصيد ليستولي عليه ويقبضه . قال ابن معصوم : هو إرخاء العنان مع الخصم ليعثر حيث يراد تبكيته وإفحامه ، وهو من مخادعات الأقوال والتصرّفات الحسنة التي هي من السحر الحلال ، حيث يسمعه الحقّ على وجه لا يغضبه . كقوله تعالى : لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ « 3 » ، لم يقل عمّا تجرمون احترازا عن التصريح بنسبة الجرم إليهم واكتفاء بالتعريض في قوله « عمّا أجرمنا » . لئلّا تأخذهم الحمية الجاهلية والأنفة ، وليتفكّروا في حالة أنفسهم وحالة من خالفهم في العمل ، إن صلاحا أو فسادا ، فيدركوا بالتأمّل ما هو الحقّ منهما « 4 » . وقد فصّل الكلام في ذلك ابن الأثير ، وعقد له بابا استخرجه من كتاب اللّه وشرحه شرحا وافيا ، قال :
--> ( 1 ) البقرة : 215 . ( 2 ) راجع أنوار الربيع : ج 2 ص 209 و 210 . ( 3 ) سبأ : 25 . ( 4 ) أنوار الربيع : ج 6 ص 62 و 63 .