محمد هادي معرفة
501
التمهيد في علوم القرآن
أساس الخطابة والإقناع ، قياسا على العرف المعهود ، إنّ التعدّد في مراكز القرار سوف يؤدّي إلى فساد الإدارة . ونظيرها آية أخرى : مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ « 1 » . يقول العلامة الطباطبائي : وتقرير الحجّة في الآية أنّه لو فرض للعالم آلهة فوق الواحد لكانوا مختلفين ذاتا ، متباينين حقيقة . وتباين حقائقهم يقضي بتباين تدبيرهم ، فتتفاسد التدابير ، وتفسد السماء والأرض « 2 » . وهذا النمط من الاستدلال ، طريقة عقلانية يتسلّمها العرف العام قياسا على ما ألفوه في أعرافهم . ولكن إلى جنب هذا ، فهو استدلال برهاني دقيق ، قوامه الضرورة واليقين ، وليس مجرّد قياس إقناعي صرف . ذلك أنّ الآية دلّت العقول على أنّ تعدّد الآلهة ، المستجمعة لصفات الالوهيّة الكاملة ، يستدعي إمّا عدم وجود شيء على الإطلاق ، وذلك هو فساد الأشياء حال الإيجاد . . . أو أنّها إذا وجدت وجدت متفاوتة الطبائع متنافرة الجنسيات ، الأمر الذي يقضي بفسادها ، إثر وجودها وعدم إمكان البقاء . وذلك لأنّه لو توجّهت إرادتان مستقلّتان من إلهين مستقلّين - في الخلق والتكوين - إلى شيء واحد يريدان خلقه وتكوينه ، فهذا ممّا يجعله ممتنع الوجود ، لامتناع صدور الواحد إلّا من الواحد ، إذ الأثر الواحد لا يصدر إلّا ممّا كان واحدا . ولا تتوارد العلّتان على معلول واحد أبدا . وفرض وجوده عن إرادة أحدهما ، مع استوائهما في القدرة والإرادة ، فرض
--> ( 1 ) المؤمنون : 91 . ( 2 ) الميزان : ج 17 ص 267 ط بيروت .