محمد هادي معرفة

497

التمهيد في علوم القرآن

إذا فالصحيح المعقول هو الفرض الثالث ، أنهم مخلوقون ، وأنّ لهم خالقا ، هو واجب الوجود لذاته ، ويكون منتهى سلسلة الموجودات في دائرة الإمكان . وقوله تعالى : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ « 1 » . وقوله : كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ « 2 » . وقوله : أَ فَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ « 3 » . وهذا من قياس النظير على النظير ، فقد قيس أمر الإعادة على أمر البدء ، قياسا معقولا ، لأنّ الذي فعل شيئا قادر على أن يفعل مثله ، إذ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز واحد . . . بل المسألة هنا هي الإعادة ، وهي أهون من الإبداع . كما سبق في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ . . . « 4 » . ومن هذا القبيل قوله تعالى : قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ . قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ . الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ . أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ « 5 » . استدلال لطيف على إمكان الإحياء ، قياسا على البدء أولا ، لأنّ الإعادة أهون من الإنشاء . . . ثم القياس على المحسوس المشاهد . . . وأنّ الذي ينشئ من العود الرطب نارا كيف يعجزه إفاضة الحياة على العظام الرميم ! ؟ وأخيرا فإنّ خلق السماوات والأرض أعظم من خلقهم ، وهو القادر والخلّاق العليم بكيفية الخلق والإعادة . . . وكذا جميع ما قيس من إعادة الحياة وحشر الأموات ، على إحياء الأرض بعد موتها بالمطر والإنبات .

--> ( 1 ) الأعراف : 29 . ( 2 ) الأنبياء : 104 . ( 3 ) ق : 15 . ( 4 ) الروم : 27 . ( 5 ) يس : 78 - 81 .