محمد هادي معرفة

466

التمهيد في علوم القرآن

مواضع الحذف سوى أنه كلام صيغ في غاية الجودة والاختصار ، واف بالمقصود مع حسن الإيجاز . وهذا من أحسن الحذف وأجمله ، وهو في القرآن كثير جدّا . قال ابن جنّي : في القرآن منه زهاء ألف موضع ، وقد سردها الشيخ عزّ الدين في كتابه « المجاز » على ترتيب السور والآيات « 1 » . منه قوله تعالى : الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ « 2 » لأنّ تعلّق الفعل بالزمان هو تعلّق المظروف بالظرف ، لولا أنّ في الآية حمل أحدهما على الآخر حمل اتحاد وهو من لطيف البيان وظريفه ، فلو قدّرت : وقت الحجّ أشهر ، أو فعل الحجّ في أشهر ، لذهبت برونق الكلام وجماله . ومنه تعلّق الأحكام التكليفية الشرعية بنفس الذوات ، فإنه لا بدّ من تقدير فعل مناسب . وذلك في مثل قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ « 3 » . وقوله : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ « 4 » وقوله : أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها « 5 » فإنّ في هكذا تعابير لا يبدو عليها أثر التقدير ، وليست مثل قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها « 6 » البادي عليها أثر التقدير وكانت من مجاز الحذف لا محالة . على خلاف ما مثلنا به من آيات التحريم ، إذ ليس فيها مجاز الحذف أصلا . ومنه أيضا قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ « 7 » . فلو أردنا التقدير لكان : ولكن ذا البرّ من آمن . . . أو برّ من آمن . لكنه ليس كذلك ، وإنما الجملة

--> ( 1 ) معترك الاقران : ج 1 ص 323 . ( 2 ) البقرة : 197 . ( 3 ) المائدة : 3 . ( 4 ) النساء : 23 . ( 5 ) الأنعام : 138 . ( 6 ) يوسف : 82 . ( 7 ) البقرة : 177 .