محمد هادي معرفة
453
التمهيد في علوم القرآن
وأبرع الإيجاز ما كان بحذف الجمل التامّة ، هي أسئلة مقدّرة أو تعاليل وأسباب ومسبّبات أو غير ذلك ممّا فصّله علماء البيان « 1 » . من ذلك قوله تعالى : قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ . ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ . وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ « 2 » . فكان قوله « وقال الملك . . . » واقعا بعد تقدير جمل ، كأنّه قال : فرجع الرسول إليهم ، فأخبرهم بمقالة يوسف ، فعجبوا لها ، وقال الملك . . . قال ابن الأثير : والمحذوف إذا كان كذلك دلّ عليه الكلام دلالة ظاهرة ، لأنّه إذا ثبتت حاشيتا الكلام وحذف وسطه ظهر المحذوف ظهورا تامّا . وهكذا ورد قوله تعالى : فَلَمَّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . قالُوا يا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا كُنَّا خاطِئِينَ . قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فَلَمَّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ « 3 » . فقد حذف من هذا الكلام جملة ، تقديرها : ثم إنهم تجهّزوا وساروا إلى مصر ، فلمّا دخلوا على يوسف . . . قال : وقد ورد من هذا الضرب ( الإيجاز بحذف الجمل ) في القرآن الكريم كثيرا ، كقوله تعالى :
--> ( 1 ) راجع المثل السائر : ج 2 ص 281 . ( 2 ) يوسف : 47 - 50 . ( 3 ) يوسف : 96 - 99 .