محمد هادي معرفة

451

التمهيد في علوم القرآن

المعنى بدونه ، وفي نفس الوقت يستثمر من تلك البقية الباقية ما يؤدّي المعنى كاملا ، في وضوح وطلاوة وعذوبة ، حتى يخيّل إليك من سهولة المسلك أنّ لفظه أوسع من المعنى قليلا . وإذا ما طلبت سرّ ذلك رأيته قد أودع معنى تلك الكلمات المحذوفة أو الجمل المطويّة ، في كلمة هنا وحرف هناك ، ثمّ أدار الأسلوب إدارة عجيبة ، وأمرّ عليها جندرة البيان « 1 » بيد صنّاعة ، فأحكم بها خلقه وسوّاه ، ثمّ نفخ فيه من روحه ، فإذا هو مصقول أملس ، وإذا هو نيّر مشرق ، لا تشعر النفس بما كان فيه من حذف أو طيّ ، ولا بما صار إليه من استغناء واكتفاء ، إلّا بعد تأمّل وفحص دقيق . انظر إلى قوله تعالى : وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ « 2 » وردت الآية بشأن أولئك المجرمين ، ممّن كان يتجاسر بموقف الرسول ويتهكّم به ، قائلا متمسخرا : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ « 3 » وقد قال تعالى بشأنهم : وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ « 4 » . وقال : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ما ذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ . أَ ثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ « 5 »

--> ( 1 ) يقال : جندر الكتاب بمعنى امرّ القلم على ما درس منه ( النبأ العظيم : ص 131 ) . ( 2 ) يونس : 11 . ( 3 ) الأنفال : 32 . ( 4 ) يونس : 46 . ( 5 ) يونس : 51 .