محمد هادي معرفة
446
التمهيد في علوم القرآن
اللباس وسهّل عليهم أمره - في سياق قصة أبيهم آدم عليه السّلام - أراد تذكيرهم بملازمة لباس التقوى . وكان يمكنه التأخير ، لكن ليحصل نوع مناسبة مع صدر الكلام ، حيث مجيء ذكر اللباس . وهو من محاسن البديع ، كما في قول الشاعر : قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه * قلت اطبخوا لي جبّة وقميصا ففيه « المشاكلة » و « التجنيس » بكلا قسميه « جناس المزاوجة » و « جناس المناسبة » على ما شرحه القوم « 1 » . قال ابن أبي الإصبع : وجاء في الكتاب العزيز من الالتفات قسم غريب جدّا - لم أظفر في سائر الكلام له بمثال ، هداني اللّه إلى العثور عليه - وهو : أن يقدّم المتكلّم في كلامه حديثا عن أمرين يتعاقبان ، ثم يخبر عن الأول منهما بشيء ، وينصرف عنه إلى الإخبار عن الثاني ، ثم يعود إلى الإخبار عن الأوّل ، كقوله تعالى : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ . وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ . انصرف عن الإخبار عن الانسان إلى الإخبار عن ربّه تعالى ، ثم انصرف عنه وأخبر عن الانسان ثانيا وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ « 2 » قال : وهذا يحسن أن يسمّى التفات الضمائر « 3 » . قلت : هذا من مداورة الكلام وردّ العجز على الصدر أيضا ، الأمر الذي يحصل به بين أطراف الكلام ملاءمة وتلاحم وائتلاف ، وهو من لطيف الكلام . والآية إنما تصلح مثالا لذلك ، بناء على عود الضمير في
--> ( 1 ) بديع القرآن : ص 37 و 44 ، وراجع المطول للتفتازاني : ص 422 . ( 2 ) العاديات : 6 - 8 . ( 3 ) بديع القرآن مع تصرف : ص 45 . وصححناه على معترك الأقران : ج 1 ص 383 .