محمد هادي معرفة
444
التمهيد في علوم القرآن
نزول المطر ينقطع أمّا الاخضرار فيبقى مدّة . وقد عكس ذلك في قوله : وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ « 1 » فالعدول إلى الماضي للدلالة على التحقّق وأنّه كائن لا محالة . ومثلها قوله : وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً وَحَشَرْناهُمْ فَلَمْ نُغادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً « 2 » . ويجري هذا المجرى الإخبار عن المستقبل باسم المفعول ، كما في قوله تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ « 3 » . لأنّ اسم المفعول يتضمّن معنى الفعل الماضي الدالّ على التحقّق والوقوع لا محالة . فإنّه إنما آثر اسم المفعول الذي هو « مجموع » على الفعل المستقبل الذي هو « يجمع » لما فيه من الدلالة على ثبات معنى الجمع لليوم ، وأنّه الموصوف بهذه الصفة . قال ابن الأثير : وان شئت فوازن بينه وبين قوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ « 4 » فإنّك تعثر على صحّة ما قلت « 5 » . ونوع آخر من الالتفات ، هو أشبه بباب « الاستطراد » بأن يشرع المتكلّم في نوع من الكلام ويستمرّ عليه ، ثم يخرج إلى غيره ، وأخيرا يعود إلى ما كان عليه فلنسمّيه « مداورة الكلام » ، وهو من لطيف التفنّن في التعبير ، كمن يطارد صيدا فيعنّ له آخر فيطرده ، ثم يرجع إلى الأسبق وهكذا . وقد ذكره بعضهم باسم « الاعتراض » و « الاستدراك » . وعلى أيّة حال فإنه من تداخل الفنون الجميلة ومجمع أنحاء الجمال .
--> ( 1 ) النمل : 87 . ( 2 ) الكهف : 47 . ( 3 ) هود : 103 . ( 4 ) التغابن : 9 . ( 5 ) المثل السائر : ج 2 ص 191 .