محمد هادي معرفة

442

التمهيد في علوم القرآن

يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِماتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ « 1 » . فإنّه إنّما قال : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . . . ولم يقل : فآمنوا باللّه وبي . . . لكي يمكن إجراء الصفات عليه ، تنبيها على أنّ الذي يجب اتّباعه هو هذا الانسان المتّصف بهكذا صفات تؤهّله للإمامة وحمل رسالة اللّه إلى الناس . . . إظهارا للنّصفة ، وبعدا من تهمة التعصّب للنفس . . . فقرّر أولا في صدر الآية أنه رسول اللّه إلى الناس . ثم أخرج كلامه من الخطاب إلى معرض الغيبة لغرضين ، الأول : إمكان إجراء تلك الصفات عليه . الثاني : الخروج من تهمة حبّ الذات ، لئلّا يكون ممّن يجرّ النار إلى قرصه . وهذا من لطيف البيان في المداراة مع العامّة . ونوع آخر من الالتفات ، ما يكون الانتقال فيه من الفعل المستقبل أو الماضي إلى فعل الأمر ، وهذا يدخل في الحدّ الذي ذكره السكاكي : كل تعبير وقع على خلاف مقتضى السياق إذا كان لنكتة بيانية . قال ابن الأثير : وهذا القسم كالذي قبله في أنّه ليس العدول فيه من صيغة إلى أخرى طلبا للتوسّع ولمجرّد التفنّن في أساليب الكلام فقط ، بل لأمر وراء ذلك ، وسرّ كامن خلفه . فقد يقصد ذلك تعظيما لشأن من أجرى عليه الفعل المستقبل وتفخيما لأمره ، وبالضدّ من ذلك في من أجرى عليه فعل الأمر . فممّا جاء منه قوله تعالى : قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ . إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ « 2 » .

--> ( 1 ) الأعراف : 158 . ( 2 ) هود : 53 و 54 .