محمد هادي معرفة
427
التمهيد في علوم القرآن
واستنبط الزمخشري نوعا من الكناية غريبا ، وهو أن تعمد إلى جملة معناها على خلاف الظاهر ، فتأخذ الخلاصة من غير اعتبار مفرداتها بالحقيقة والمجاز ، فتعبّر بها عن المقصود ، كما تقول في نحو : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 1 » . إنه كناية عن الملك ، فإنّ الاستواء على السرير لا يكون إلّا مع الملك ، فجعل كناية عنه . وكذا قوله : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ « 2 » كناية عن عظمته وجلاله من غير ذهاب بالقبض واليمين إلى جهتي الحقيقة والمجاز « 3 » . قال - عند الكلام عن آية طه - : لمّا كان الاستواء على العرش - وهو سرير الملك - ممّا يردف الملك جعلوه كناية عن الملك ، فقالوا : استوى فلان على العرش ، يريدون : ملك ، وإن لم يقعد على السرير البتة . وقالوه أيضا لشهرته في ذلك المعنى ومساواته « ملك » في مؤدّاه ، وإن كان أشرح وأبسط وأدلّ على صورة الأمر . قال : ونحوه قولك : يد فلان مبسوطة ، ويد فلان مغلولة ، بمعنى أنه جواد أو بخيل ، لا فرق بين العبارتين إلّا فيما قلت ، حتى أنّ من لم يبسط يده قطّ بالنوال أو لم تكن له يد رأسا قيل فيه : يده مبسوطة ، لمساواته عندهم مع قولهم : هو جواد . . . ومنه قوله عزّ وجلّ : وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ « 4 » أي هو بخيل . بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ « 4 » أي هو جواد . . . من غير تصوّر يد ولا غلّ ولا بسط . قال : والتفسير بالنعمة ، والتمحّل للتثنية ، من ضيق العطن ، والمسافرة عن علم البيان مسيرة أعوام « 6 » .
--> ( 1 ) طه : 5 . ( 2 ) الزمر : 67 . ( 3 ) الاتقان : ج 3 ص 145 - 146 . ( 4 ) المائدة : 64 . ( 6 ) الكشاف : ج 3 ص 52 .