محمد هادي معرفة
418
التمهيد في علوم القرآن
تعبد الصغار معه ، تلويحا لعابديها بأنّها لا تصلح أن تكون آلهة ، لما يعلمون - إذا نظروا بعقولهم - من عجز كبيرها عن ذلك الفعل ، والإله لا يكون عاجزا ، فهو حقيقة أبدا . وقال السكاكي : التعريض ما سيق لأجل موصوف غير مذكور ، ومنه أن يخاطب واحد ويراد غيره . وسمّي به لأنّه أميل الكلام إلى جانب مشارا به إلى آخر ، يقال : نظر إليه يعرض وجهه ، أي جانبه « 1 » . قال الطيّبي : وذاك يفعل إمّا لتنويه جانب الموصوف ، ومنه : وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ « 2 » أي محمّد ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) إعلاء لقدره ، أي أنّه العلم الذي لا يشتبه . وإمّا للتلطّف به واحترازا عن المخاشنة ، نحو : وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي « 3 » أي ومالكم لا تعبدون ، بدليل قوله : وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وكذا قوله : أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً « 4 » ووجه حسنه إسماع من يقصد خطابه الحقّ على وجه يمنع غضبه ، إذ لم يصرّح بنسبته للباطل ، والإعانة على قبوله ، إذ لم يرد له إلّا ما أراد لنفسه . وإمّا لاستدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم ، ومنه : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ « 5 » خوطب النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ) وأريد غيره ، لاستحالة الشرك عليه شرعا . وإمّا للذمّ ، نحو : إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ « 6 » ، فإنّه تعريض بذمّ الكفّار
--> ( 1 ) معترك الاقران : ج 1 ص 292 . ( 2 ) البقرة : 253 . ( 3 ) يس : 22 . ( 4 ) يس : 23 . ( 5 ) الزمر : 65 . ( 6 ) الرعد : 19 والزمر : 9 .