محمد هادي معرفة

386

التمهيد في علوم القرآن

يفوق التشبيه في جعل المشبّه من جنس المشبّه به ، وذلك بترك التصريح بالتشبيه ، فيوهم كونه أحد أفراده ومتساويا معه في كمال الصفة ، دون التشبيه المستدعي كون المشبّه به أتمّ وأكمل . ثمّ إن ذكر المشبّه وترك المشبّه به فهو من الاستعارة التخييلية ، وهو من أبدع أنواعها . وإن كان العكس فهي المتعارفة ، وتنقسم إلى تجريدية وترشيحية ، على ما يأتي من ذكر الأقسام . وليعلم أنّ الاستعارة - على ما ذهب إليه السكاكي وهو المختار - من المجاز العقلي ، وليس مجازا في الكلمة ، وذلك لأنه تصرّف في أمر عقلي ، على ما سبق في تعريفه لها ، أنّه من التوسّع في مفهوم المشبّه به وزعم دخول المشبّه في جنسه . فليس من استعمال لفظة في غير موضعها « 1 » فهي حقيقة ادّعائية ، وهو من لطيف التصرّف في معاني الكلام ، ويؤيّده قولهم : في الاستعارة مبالغة ليست في غيرها من أنواع التشبيه . وفرة الاستعارة في القرآن : تقدّم أنّ التوفّر من الاستعارة في القرآن كان أمرا لا بدّ منه ، بعد تضايق الألفاظ الموضوعة عن إمكان الايفاء بمقاصده العلية ، والإفادة بجلّ مطالبه الرفيعة . لكن رأي ابن الأثير في ذلك يختلف عن رأي ابن رشيق . بينما الأوّل يرى قلّة الاستعارة في القرآن ، بل وفي سائر الكلام من فصيح الخطب والأشعار ، نظرا منه إلى أنّ طيّ المستعار له لا يتيسّر في كل كلام ، على خلاف التشبيه الذي هو كثير وسهل . . . « 2 » إذا بابن رشيق يعاكسه في الرأي ، ويرى

--> ( 1 ) التفتازاني في المطوّل : باب الحقيقة والمجاز ص 354 . ( 2 ) المثل السائر : ج 2 ص 97 .