محمد هادي معرفة
382
التمهيد في علوم القرآن
ومن ذلك : بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ « 1 » و أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا « 2 » فبعد أن تصبح الخطيئة شيئا مادّيا تتحرك حركة الإحاطة . وبعد أن تصبح الفتنة لجّة يتحرّكون هم بالسقوط فيها . ومنه : وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ « 3 » . فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ « 4 » . ففي المثال الأول يصبح الحقّ والباطل مادّتين تستر إحداهما بالأخرى . وفي المثال الثاني يصبح ما أمر به مادّة يشقّ بها ويصدع ، دلالة على القوة والنفاذ . ومنه : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ « 5 » فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها « 6 » ففي المثال الأول يستحيل الهدى والضلال نورا وظلمة ، ثم تبدأ عملية الإخراج المتخيّلة . وفي المثال الثاني يصبح الايمان عروة ، ثمّ تبدأ الحركة المتخيّلة في الاستمساك بها . فتؤدّي هذه الصور المجسّمة المتحرّكة إلى تمثّل أوضح وأرسخ للمعنى الخيالي المجرّد . بهذه الطريقة المفضّلة في التعبير عن المعاني المجرّدة سار الأسلوب القرآني في أخصّ شأن يوجب فيه التجريد المطلق والتنزيه الكامل ، فقال : يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ « 7 » . وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ « 8 » . وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ « 9 » . ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ « 10 » . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ « 11 » .
--> ( 1 ) البقرة : 81 . ( 2 ) التوبة : 49 . ( 3 ) البقرة : 42 . ( 4 ) الحجر : 94 . ( 5 ) البقرة : 257 . ( 6 ) البقرة : 256 . ( 7 ) الفتح : 10 . ( 8 ) هود : 7 . ( 9 ) البقرة : 255 . ( 10 ) الأعراف : 54 . ( 11 ) فصلت : 11 .