محمد هادي معرفة
379
التمهيد في علوم القرآن
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ « 1 » أي ضاقت صدورهم من الحيرة والحرج بين أن يقاتلوكم انتصارا لقومهم ، أو يقاتلوا قومهم انتصارا لكم . ويصف حالة عقلية أو معنوية ، وهي حالة عدم الاستفادة ممّا يسمعه بعضهم من الهدى ، وكأنّهم لم يسمعوا به ، أو يتّصلوا اتّصالا ما ، فيجعل كأنّما هناك حواجز مادّية تفصل بينهم وبينه ، مثل : إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ « 2 » . أو وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً « 3 » أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً « 4 » . أو أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها « 5 » . أو إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ . وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ « 6 » . أو خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ « 7 » . أو الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي « 8 » . وكلها تجسّم هذه الحواجز المعنوية ، كأنّما هي موانع حسّية ، لأنّها في هذه الصورة أوقع وأظهر . وقد يكون الوصف حسّيا بطبيعته ، فيختار عن الوصف هيئة تجسّمه ، كقوله : يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ « 9 » في مكان يأتيهم من كل جانب ، أو يحيط بهم . لأنّ هيئة الغشيان من فوق ومن تحت ادخل في الحسّية من الوصف بالإحاطة . ومثله
--> ( 1 ) النساء : 90 . ( 2 ) الشعراء : 212 . ( 3 ) أغطية . والوقر : الصمم وأصله الثقل . ( 4 ) الأنعام : 25 . ( 5 ) محمد : 24 . ( 6 ) يس : 8 و 9 . ( 7 ) البقرة : 7 . ( 8 ) الكهف : 101 . ( 9 ) العنكبوت : 55 .