محمد هادي معرفة

360

التمهيد في علوم القرآن

الاستهواء لفظ مصوّر لمدلوله ) ويا ليته يتبع هذا الاستهواء في اتّجاهه ، فتكون له راحة ذي القصد الموحّد ولو كان في طريق الضلال ، ولكن هناك من الجانب الآخر له إخوان يدعونه إلى الهدى ، وينادونه : « ائتنا » . وهو بين هذا الاستهواء وهذا الدعاء « حيران » موزّع القلب ، لا يدري أيّ الفريقين يجيب ، ولا أيّ الطريقين يسلك ، فهو قائم هناك شاخص متلفّت . ويريد أن يكشف عن حال أولئك الدين يهيّئ اللّه لهم المعرفة ، فيفرّون منها كأن لم تهيّأ لهم أبدا ، ثم يعيشون بعد ذلك هابطين ، تطاردهم أنفسهم وأهواؤهم ، بما علموا وبما جهلوا ، فلا هم استراحوا بالغفلة ولا هم استراحوا بالمعرفة ، فيرسم لهم هذه الهيئة : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ . وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ « 1 » وفي الصورة تحقير وتقذير - يحقّق الغرض الديني - ولكنها من الوجهة الفنّية صورة شاخصة فيها الحركة الدائبة ، وهي صورة معهودة ، فهي في تثبيت المعنى المراد بها أشدّ وأقوى . وهكذا يلتقي الغرض الديني بالغرض الفنّي ، كالشأن في جميع الصور التي يرسمها القرآن . ويريد أن يوضّح حالة تزعزع العقيدة ، حيث لا يستقرّ الانسان على يقين ، ولا يحتمل ما يصادفه من الشدائد بقلب راسخ ، ولا يجعل عقيدته في معزل عن ملابسات حياته ، بعيدة عن ميزان الربح والخسارة ، فيرسم لهذا التزعزع صورة تهتزّ وتترنّح ، توشك على الانهيار :

--> ( 1 ) الأعراف : 175 و 176 .