محمد هادي معرفة
354
التمهيد في علوم القرآن
إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ « 1 » . يدعك هذا التصوير ترسم بخيالك صورة لتفتح أبواب السماء ، وصورة أخرى لولوج الحبل الغليظ في سمّ الخياط - ويختار من أسماء الحبل اسم « الجمل » خاصّة في هذا المقام تأكيدا لتصوير الغلظة وضخامة حجم الوالج في سمّ الخياط . ويدع للحسّ أن يتأثر عن طريق الخيال بالصورتين ما شاء له التأثّر ، ليستقرّ في النهاية معنى الفوز ومعنى الاستحالة في أعماق النفس ، وقد ورد إليها من طريق العين والحسّ تخييلا . ويريد أن يبيّن أنّ اللّه سيضيع أعمال الذين كفروا كأن لم تكن قبل شيئا ، وستضيع إلى غير عودة فلا يملكون لها ردّا ، فيقدّم هذا المعنى مصوّرا في قوله : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً « 2 » . ويدعك تتخيّل صورة الهباء المنثور ، فتعطيك معنى أوضح وآكد للضياع الحاسم المؤكد . أو يرسم هذه الصورة المطوّلة بعض الشيء لهذا المعنى نفسه : مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ « 3 » فتزيد الصورة حركة وحياة بحركة الريح في يوم عاصف ، تذر الرماد وتذهب به بددا إلى حيث لا يتجمع أبدا . ويريد أن يبيّن للناس أنّ الصدقة التي تبذل رياء والتي يتبعها المنّ
--> ( 1 ) الأعراف : 40 . ( 2 ) الفرقان : 23 . ( 3 ) إبراهيم : 18 .