محمد هادي معرفة

347

التمهيد في علوم القرآن

قال السيد رشيد رضا : وهذا النوع من التشبيه - وهو إبراز المعاني في صورة التمثيل - نادر فذّ بديع ، ويقلّ في كلام البلغاء ، لكنه كثير وافر في القرآن العزيز « 1 » . وقلّما يوجد في سائر الكلام تشبيه غير معيب . وقد عقد ابن الأثير بابا ذكر فيه معايب التشبيه الواقع في كلام البلغاء ، لقصورهم عن الإحاطة بجوانب فنّ التصوير . هذا أبو تمام - الشاعر المفلّق - يريد أن يصف السخاء فيجسّده في صورة ذي حياة ، فيجعل له روثا وفرثا ممّا تأباه طبيعة السخاء المترفّع عن الأدناس . قال في قصيدة يمدح بها أبا سعيد كرمه وجوده : وتقاسم الناس السخاء مجزّأ * وذهبت أنت برأسه وسنامه وتركت للناس الإهاب وما بقي * من فرثه وعروقه وعظامه قال ابن الأثير : والقبح الفاحش في البيت الثاني ، وكل هذا التعسّف في التشبيه البعيد دندنة « 2 » حول معنى ليس بطائل ، فإنّ غرضه أن يقول : ذهب بالأعلى وترك للناس الأدنى . أو أذهبت بالجيّد وتركت للناس الرديّ « 3 » . نعم إنّه صوّر من السخاء حيوانا له رأس وسنام . وهذا لا عيب فيه ، إنّما العيب في جعل الإهاب والفرث - وهو السرجين داخل الكرش - له ، الأمر الذي تتجافاه سجية السخاء التي هي مكرمة خالصة . فوائد التمثيل : والتجسيد الفنّي يسمّى عندهم بالتمثيل ، وكان من أروع أنواع التشبيه ، ذو

--> ( 1 ) هامش اسرار البلاغة : ص 92 . ( 2 ) الدندنة : طنين الذباب . ( 3 ) المثل السائر : ج 2 ص 154 .