محمد هادي معرفة

277

التمهيد في علوم القرآن

الحقيقة هي غير ذلك ، وهي كما ذكرناه ، ولا يتغيّر الواقع عمّا هو عليه لمجرّد كراهة تسميته باسمه . والتحرير أنّ الأسجاع حروف متماثلة في مقاطع الفواصل . توجد في بعضها وليست في جميعها . فإن قيل : إذا كان السجع محمودا - على ما ذكرت من الشرط - فهلّا ورد القرآن كلّه مسجوعا ؟ وما الوجه في ورود بعضه مسجوعا وبعضه غير مسجوع ؟ قلنا : القرآن نزل بلغة العرب وعلى عرفهم وعادتهم ، وكان الفصيح منهم لا يكون كلامه كلّه مسجوعا لما فيه من امارات التكلّف والاستكراه والتصنّع ، لا سيّما فيما يطول من الكلام . فلم يرد القرآن كلّه مسجوعا جريا منه على عرفهم في الطبقة العالية من كلامهم ، ولم يخلّ من السجع لأنّه يحسن في بعض الكلام على الصفة التي قدّمناها . فهذا هو السبب في ورود بعضه كذلك وبعضه بخلافه « 1 » . وقال أبو الحسن حازم بن محمّد القرطبي ( توفي سنة 684 ) - كان شيخ البلاغة والأدب وأوحد زمانه في النظم والنثر واللغة والعروض والبيان - في كتابه « منهاج البلغاء » : للناس في الكلام المنثور من جهة تقطيعه إلى مقادير تتقارب في الكميّة ، وتتناسب مقاطعها على ضرب منها ، أو بالنقلة من ضرب واقع في ضربين أو أكثر ، إلى ضرب آخر مزدوج ، في كل ضرب ضرب منها أو يزيد على الازدواج . ومن جهة ما يكون غير مقطع ، إلى مقادير تناسب أطرافها ، وتقارب ما بينها في كميّة الألفاظ والحروف ، ثلاثة مذاهب : منهم : من يكره تقطيع الكلام إلى مقادير متناسبة الأطراف ، غير متقاربة في الطول والقصر لما فيه من التكلّف ، إلّا ما يقع به الإلمام في النادر من كلام .

--> ( 1 ) سرّ الفصاحة لابن سنان : ص 166 فما بعد ، والبرهان ج 1 ص 57 .