محمد هادي معرفة

275

التمهيد في علوم القرآن

ولكن ذهب كثير من أصحاب الرأي والنظر إلى إثبات السجع في القرآن ، قالوا : إنّ ذلك ممّا يبيّن به فضل الكلام - إن وقع موقعه من غير تكلّف أو اعتساف وكان المتكلّم خبيرا بمواقعه - وأنه من المقاييس التي يتفاضل بها الكلام في الفصاحة والبيان ، نظير التجنيس والترصيع واللفّ والنشر والالتفات وسائر أنواع البديع . هذا فضلا عن وقوعه في القرآن بالفعل ، والوقوع خير شاهد على الإمكان بالاتفاق . من ذلك قوله تعالى : بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى « 1 » ولا سبب لتقديم اسم المفضول على الفاضل هنا إلّا مراعاة الفواصل ، وهي على الألف المقصورة . ومن ثمّ لمّا كانت الفواصل في سورة الشعراء على النون ، تأخّر لفظ هارون رَبِّ مُوسى وَهارُونَ « 2 » . قال الباقلّاني : وهذا الذي ذكروه غير صحيح ، لأنّ القرآن لو كان سجعا لكان على أسلوب كلامهم ، فلم يصحّ وقوع الإعجاز به ، لأنّه ممّا ألفه الكهّان وكانوا قادرين على الإتيان بمثله . وأمّا الذي قدّروه سجعا فإنّه ليس منه وإنّما هو تفنّن في التعبير ، كما هو دأب القرآن ، يقصّ القصص في مواضع مع اختلاف التعابير . واسهب في الردّ والنقض على احتمال وجود السجع في القرآن « 3 » . ولعلّه خروج عن منهج التفاهم في المسائل النظرية . لأنّ القائل به لا يدّعي من فواصل الآيات كلّها أسجاعا ، وإنّما يرى الوجود ولو في بعض المقاطع المتقاربة ، من غير أن يكون المعنى تابعا ، وإنما مثله مثل سائر الفواصل أو القوافي الشعرية

--> ( 1 ) طه : 70 . ( 2 ) الشعراء : 48 . ( 3 ) بهامش الاتقان : ج 1 ص 85 - 101 .