محمد هادي معرفة
259
التمهيد في علوم القرآن
كقوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ « 1 » . فقد تمّ الكلام عند قوله : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ لكنه أوغل في تفضيع حالتهم ، وأفاد زيادة المبالغة في ضلالتهم ، حيث كان عدم الاسترباح مستندا إلى عدم اهتدائهم إلى طرق التجارة ، ومن ثمّ استبدلوا بالخير شرّا وبالصلاح فسادا . وقوله تعالى : قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ . اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ « 2 » . حيث قد تمّ المعنى بدون « وهم مهتدون » إذ الرسل مهتدون لا محالة . لكنه ايغال أفاد زيادة الحثّ على الاتّباع والترغيب في الرسل . وأنّ متابعتهم لا تستدعي خسرانا أبدا . وقوله تعالى : أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ « 3 » . قال الزركشي : قد تمّ الكلام بدون قوله : « لقوم يوقنون » ، غير أنّ رعاية الفواصل أفادت زيادة معنى ، هو : أنّ أهل اليقين هم الذين يدركون محاسن أحكامه تعالى ، إذ لا يحجب أبصارهم ستار الجاهلية والعناد . وقوله تعالى : وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ « 4 » . فقد تمّ المقصود بدون « إذا ولّوا مدبرين » لولا أنّه أفاد المبالغة في عدم إمكان الإسماع ، لأنّ الأصمّ إذا ولّى مدبرا كان أبلغ في تغافله وإعراضه عن الانصياع للدعوة . فواصل خفي وجه تناسبها : من ذلك قوله تعالى :
--> ( 1 ) البقرة : 16 . ( 2 ) يس : 20 و 21 . ( 3 ) المائدة : 50 . ( 4 ) النمل : 80 .