محمد هادي معرفة
240
التمهيد في علوم القرآن
أحكام الأهلّة وبين حكم إتيان البيوت من ظهورها ؟ قيل : إنّه من باب الاستطراد - وهو الانتقال من مقصد إلى آخر لأدنى مناسبة يراه المتكلّم أولى بالقصد - وكأنّه جعل مبدأ كلامه ذريعة لهذا الانتقال ، ولكن بلطف وبراعة ، وهو من بديع البيان « 1 » . قال الزمخشري : لمّا ذكر أنها مواقيت للحج عمد إلى التعرّض لمسألة كانت أهمّ بالعلاج ، وهي عادة جاهلية كانت بدعة رذيلة ، كان أحدهم إذا أحرم لا يدخل حائطا ولا دارا ولا فسطاطا ، فإن كان من أهل المدر نقب في مؤخّرة بيته فيدخل ويخرج منه . وإن كان من أهل الوبر جعل خلف خبائه مدخله ومخرجه ، ولم يدخلوا من الباب . . . بدعة جاهلية مقيتة لا مبرّر لها . . . فلمّا وقع سؤالهم عن الأهلّة - وهي مواقيت للناس في شؤون حياتهم ، وللحجّ بالذات ، ولم يكن كبير فائدة في مثل هذا السؤال - استغلّه تعالى فرصة مناسبة للتعرّض إلى موضوع أهم ، كان الأجدر هو السؤال عنه ، بغية تركه . . . على عكس ما كانوا يرونه برّا ، وهو عمل تافه مستقبح « 2 » وقوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وعقبه بقوله : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ « 3 » فقد يقال : أيّ رابط بين حادث الإسراء وإتيان موسى الكتاب والتعرّض لحياة بني إسرائيل ! ؟ وهو أيضا من الاستطراد البديع . كان المقصود الأقصى تذكير بني إسرائيل
--> ( 1 ) قال الأمير العلوي : عليه أكثر القرآن . ( الطراز : ج 3 ص 14 ) . ( 2 ) الكشاف : ج 1 ص 234 نقلا بالمعنى . ( 3 ) الإسراء : 1 و 2 .