محمد هادي معرفة

219

التمهيد في علوم القرآن

والشيء الذي سمّوه بالاستحسان - الذي لم يقدر أحد منهم إلى زماننا هذا على شرح اسمه كمحرّمي الغناء بالمعنى اللغويّ العاجزين عن شرح اسم الصوت الحسن كما عرفت ، وقالوا إن الاستحسان للطافة معناه لا تحمله العبارة كما ذكره الأبهري في شرحه على المختصر العضدي وغيره في غيره ، ولهذه الجهات تشتّت آراؤهم واضطربت أهواؤهم حتى أنّ أبا حنيفة فسّر الفراش في قوله ( صلّى اللّه عليه وآله ) « الولد للفراش وللعاهر الحجر » « 1 » بالعقد الصحيح وحكم بإلحاق النسب بين أولاد الزوجة التي تلدها بعد العقد والزوج وإن لم يكن قد دخل بها ، وحكم بنفوذ حكم الحاكم ظاهرا وباطنا ، فحكم بتحريم الزوجة على الزوج بمجرّد حكم الحاكم بثبوت التطليق بشهادة شاهدي زور وأمثالهما من الترهات والجزافات وكثر الخلاف بين تلامذته - تحيّر « 2 » الرشيد في أمر هؤلاء والتمس من الإمام موسى بن جعفر ( عليه السّلام ) أن يكتب له كلاما موجزا له أصول وفروع ، فكتب ( عليه السّلام ) : أنّ أمور الأديان أمران : أمر لا اختلاف فيه بين الأمة وهو ضرورة في الدين لا يقبل الشك ، وأمر يحتمل الشكّ والإنكار ، فمن ادّعى شيئا من هذا القسم فعليه أن يحتجّ عليه بكتاب مجمع على تأويله أو سنّة من النبيّ ( صلّى اللّه عليه وآله ) لا اختلاف فيها أو قياس تعرف العقول عدله ، ولا يسع من استوضح تلك الحجة ردّها ووجب عليه قبولها والإقرار والديانة بها ، فمن ادّعى شيئا من هذا الأمر ولم يكن له شيء من هذه الحجج الثلاث ، ولا يسع خاصّة الامّة وعامّتها الشكّ فيه والإنكار له ، وهذان الأمران من أمر التوحيد فما دونه وأرش الخدش فما فوقه ، فهذا المعروض الذي يعرض عليه أمر الدين ، فما ثبت لك برهانه اصطفيته وما غمض عليه

--> ( 1 ) وسائل الشيعة : ج 15 ص 604 باب 9 من أبواب اللعان حديث 3 ، مسند أحمد بن حنبل : ج 6 ص 129 ، سنن أبي داود : ج 2 كتاب الطلاق ح 2273 . ( 2 ) جواب لقوله : « لما أصّل المخالفون في زمن . . . »