محمد هادي معرفة
211
التمهيد في علوم القرآن
صوته كريها قبيحا ، فتعيّن أن يكون مراده ( صلّى اللّه عليه وآله ) الترجيح المطرب . وأمّا ( ثالثا ) فلأنّ النوح والرهبانية عطفا على الغناء ، وتقديره : يرجعون القرآن ترجيع الغناء وترجيع النوح وترجيع الرهبانية . فعلم أنّ ترجيع الغناء أخصّ مطلقا من مطلق الترجيع المطرب الشامل للجميع - أعني الغناء اللغويّ - لكون كل منها مطربا . فتعيّن أن يكون الغناء المنهيّ عنه هو الغناء العرفيّ الأخصّ من الغناء اللغويّ . لا يقال : يجوز أن يكون هذا من قبل عطف الخاصّ على العامّ ، لأنّا نقول : الأصل في المتعاطفات أن تكون متباينات ، نعم يرتكب خلافه نادرا ، لكن لا مطلقا ، بل إذا كان فرط اهتمام بشأن الخاصّ كعطف جبرئيل وميكائيل على الملائكة ، وظاهر أنّ الاهتمام بشأن إخراج ترجيع النوح ليس بأشدّ منه بشأن إخراج ترجيع الأصوات الملهية المفرحة التي يزينها ضرب الدفوف والتصدية وأمثالهما ، فلو كان الأمر كذلك لكان يجب أن يعطف هذا عليه . فتعيّن أن يكون مستعملا في معناه العرفي - أعني لحون أهل الفسق التي يزينها ضرب الدفوف والتصدية والرقص وآلات اللهو - وذلك ظاهر ويدلّ على ذلك ما روي في الجمع عن رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) أنه يقول : إنّ القرآن نزل بالحزن فإذا قرأتموه فابكوا ، فإن لم تبكوا فتباكوا ، وتغنّوا به ، فمن لم يتغنّ بالقرآن فليس منّا « 1 » أقول : وهذا صريح في الأمر بالتغنّي بالقرآن ، لا بالغناء العرفي لورود النهي عنه بل الغناء اللغوي ، لكن لا أيّ فرد منه بل الفرد الذي يورث البكاء والحزن بقرينة ( ما بعده وقبله ) وقد عرفت في المقدّمة الفلسفية أنّ من أنواع الغناء
--> ( 1 ) مجمع البيان : ج 1 ص 16 في ذكر الفنّ السابع .