محمد هادي معرفة
21
التمهيد في علوم القرآن
وقد تقدّم كلام ابن عطية في متابعته للخطّابي في الاختيار ، قال : ووجه إعجازه أنّ اللّه قد أحاط بكل شيء علما ، وأحاط بالكلام كلّه علما ، فإذا ترتّبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أيّ لفظة تصلح أن تلي الأولى ، ويتبيّن المعنى دون المعنى ، ثم كذلك من أوّل القرآن إلى آخره . والبشر معهم الجهل والنسيان والذهول ، ومعلوم بالضرورة أن أحدا من البشر لا يحيط بذلك ، وبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة . قال : وكتاب اللّه سبحانه لو نزعت منه لفظة ، ثم أدير لسان العرب على لفظة في أن يوجد أحسن منها لم توجد . . . « 1 » وللأستاذ درّاز تمثيل رائع بشأن روعة نظم القرآن وفخامة أسلوبه ، شبّه ألفاظ اللغة والكلم الموضوعة بالمواد الأوّلية اللازمة للبناء ، فلا تختلف البنايات في أصل المواد ، ولا كانت الموادّ ممّا ابتدعه المهندسون ، لا وإنما التفاوت هو تفاوت الأذواق ومقدار المعرفة بانتخاب أصلح المواد وأتقن الآلات والأدوات إنها هندسة البناء يخلقها قرائح البنّائين ويبتدعها المهندسون . قال : إنّ مثل صنعة البيان لمثل صنعة البنيان ، فالمهندسون البنّاءون لا يخلقون مادة بناء لم تكن في الأرض ، ولا يخرجون في صنعتهم عن قواعدها العامّة ، ولا يعدو ما يصنعونه أن يكون جدرانا مرفوعة ، وسقفا موضوعة ، وأبوابا مشرعة ، ولكنهم تتفاضل صناعاتهم وراء ذلك في اختيار أمتن المواد وأبقاها على الدهر ، وأكنّها للناس من الحرّ والقرّ ، وفي تعميق الأساس وتطويل البنيان ، وتخفيف المحمول منها على حامله ، والانتفاع بالمساحة اليسيرة في المرافق الكثيرة ، وترتيب الحجرات والأبهاء ، بحيث يتخلّلها الضوء والهواء ، فمنهم من
--> ( 1 ) مقدّمة تفسيره : ص 279 ، وراجع البرهان للزركشي : ج 2 ص 97 .