محمد هادي معرفة
199
التمهيد في علوم القرآن
فإن أمكن وجب ، سواء كان أحد الطرفين أرجح بأحد وجوه التراجيح المذكورة في مظانّه أو لا ، وذلك لأنّ الأخبار الآحاد تفيد الظنّ ، ووجوه الترجيح يفيد غلبته ، وهي لا ينفي احتمال صحة الطرف المرجوح ، إذ ربما كان هذا الطرف صحيحا ، فلهذا ترى المحدّثين يبذلون جهدهم في الجمع بين النصوص المتخالفة ، ويتكلّفون في بيان التوفيق غاية التكلّف ، ولو لم يراع هذا الطريق يلزم طرح كثير من الامارات بمحض التعارض بين ظواهرها من غير داع يدعوه وسبب يقضيه ، وإن لم يمكن التوفيق بينها يعتبر الراجح ويطرح المرجوح ، وإن كانت متساوية في الجميع يعبّر عنه بالتعادل . فهذا ممّا اختلف فيه ، فذهب الأكثرون إلى أنّ للمجتهد العمل بالتخيير بأيّ الطرفين شاء لئلّا يقع تضييع الامارتين رأسا ، وحكم الآخرون بتساقطهما للتمسّك بالبراءة الأصلية لأنّ التخيير يفضي إلى الترجيح المحال ، بمعنى أنه لا يمكن وقوع التخيير للمجتهد ، وكون الامارتين بالنظر إليه متساويتين من غير رجحان أحدهما على الآخر . وأمّا كونهما متساويين في الواقع فممّا لا سبيل إلى العلم به بل نعلم عدم تساويهما في الواقع إذ نعلم بالضرورة عدم التناقض بين أقوال النبيّ صلّى اللّه عليه وآله والأئمة المعصومين ( عليهم السّلام ) بحسب الواقع ، وهذا قول سديد ورأي متين . بحث فلسفي : كما أنّ لأنواع مدركات البصر أحكاما متباينة وآثارا متخالفة - بعضها يوجب السرور والانبساط كما في رؤية الألوان التي تسرّ الناظرين والأزهار والأوراد والرياحين ، وبعضها يورث الرحم والانعطاف كما في رؤية سقيم متروب ، وبعضها يورث البكاء كما في رؤية قتيل مصلوب ، وبعضها يورث الإغماء كما في تلقّي عدوّ قاهر وسبع مفترس دفعة ، وبعضها يهيج الشهوات كالنظر إلى المرأة الحسناء ، وبعضها يورث الضحك كرؤية حركات أصحاب السحر والمجون ، وبعضها يورث الانزجار عن زخارف الدنيا والشوق