محمد هادي معرفة

19

التمهيد في علوم القرآن

توجد مجموعة في نوع منه ، فلم توجد إلّا في كلام العليم القدير ، الذي أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا . فتفهّم الآن واعلم أنّ القرآن إنما صار معجزا لأنه جاء بأفصح الألفاظ في أحسن نظوم التأليف ، مضمّنا أصحّ المعاني ، من توحيد له عزّت قدرته ، وتنزيه له في صفاته ، ودعاء إلى طاعته ، وبيان بمنهاج عبادته ، من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ، ومن وعظ وتقويم وأمر بمعروف ونهي عن منكر ، وإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، وزجر عن مساوئها ، واضعا كل شيء منها موضعه الذي لا يرى شيء أولى منه ، ولا يرى في صورة العقل أمر أليق منه . مودعا اخبار القرون الماضية وما نزل من مثلات اللّه بمن عصى وعاند منهم ، منبئا عن الكوائن المستقبلة في الأعصار الباقية من الزمان جامعا في ذلك بين الحجّة والمحتجّ له ، والدليل والمدلول عليه ، ليكون ذلك أوكد للزوم ما دعا إليه ، وأنباء عن وجوب ما أمر به ونهى عنه . ومعلوم أنّ الإتيان بمثل هذه الأمور والجمع بين شتاتها حتى تنتظم وتتّسق أمر تعجز عنه قوى البشر ، ولا تبلغه قدرهم ، فانقطع الخلق دونه ، وعجزوا عن معارضته بمثله أو مناقضته في شكله . ثم صار المعاندون له يقولون مرة : إنه شعر ، لما رأوه كلاما منظوما . ومرة سحر ، لما رأوه معجوزا عنه غير مقدور عليه . وقد كانوا يجدون له وقعا في القلوب وقرعا في النفوس ، يريبهم ويحيرهم ، فلم يتمالكوا أن يعترفوا به نوعا من الاعتراف وكيف ما كانت الحال ودارت القصّة فقد حصل باعترافهم قولا ، وانقطاعهم عن معارضته فعلا ، أنّه معجز . . . وفي ذلك قيام الحجّة وثبوت المعجزة ، والحمد للّه . ثمّ أضاف قائلا : اعلم أنّ عمود هذه البلاغة التي تجمع لها هذه الصفات ، هو وضع كل نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخصّ