محمد هادي معرفة
176
التمهيد في علوم القرآن
الذي خلق اللغة ويعرف سرّها ، وليس أبدا محمّد النبيّ الامّي ، الذي كان يرتجف - كما ترتجف أنت - والوحي يلقى عليه بالآية : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ « 1 » فيرتجف ويتصبّب عرقا ولا يعرف من أيّ سماوات يلمّ به هذا الصوت الآمر ، وهو يلوذ بزوجته خديجة وهو ما يزال يرتجف فرقا لما سمع . وينقطع عنه الوحي سنتين بعد هذه الكلمات القليلة الأولى ، ويتركه في حيرة . يذرع دروب الصحراء الملتهبة يكاد يجنّ من أمر هذا الصوت الذي نزل عليه ثم انقطع عنه . ولو كان محمّد مؤلّفا لألّف في هاتين السنتين كتابا كاملا . ولكنه لم يكن أكثر من مستمع أمين ، سمع - كما تسمع أنت - تلك الكلمات ذات الموسيقى العلوية في لحظة صفاء وجلاء ، فذهل - كما تذهل - وصعقت حواسّه أمام هذا التركيب الفريد المضيء . وبعد سنتين من الصمت عاد الصوت ليهتف في اذنه : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ . قُمْ فَأَنْذِرْ « 2 » ثم بدأت آيات القرآن تنزل متوالية « 3 »
--> ( 1 ) العلق : 1 . ( 2 ) المدّثر : 1 و 2 . ( 3 ) محاولة لفهم عصري للقرآن ص 13 - 19 .