محمد هادي معرفة
17
التمهيد في علوم القرآن
واعلم أنّ من الكلام ما ترى المزيّة فيه تتلاحق وتنضمّ بعضها إلى بعض ، حتى تكثر وتملأ العين ، ولذلك لا تكبر من شأن صاحبه ولا تقضى له بالحذق والأستاذية وسعة الذرع والقدرة ، حتى تستوفى القطعة وتأتي على عدّة أبيات . ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة ، ويأتيك منه ما يملأ العين فجأة ، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل من الفضل وموضعه من الحذق وطول الباع . وأنه من قبل ناطق فحل وخرج من يد صانع قدير . وما كان كذلك فهو شعر الشاعر والكلام الفاخر والنمط العالي الشريف ، والذي لا تجده إلّا في كلام الفحول البزل الملهمين إلهاما « 1 » . وأجمل من استوفى الكلام في هذا الجانب من ميزة القرآن - حسبما قدّمنا - هو أبو سليمان البستي . قال في بيان السبب الأوفى لدقيق تعبيره ورحيق عبيره : إنّ الذي يوجد لهذا الكلام من العذوبة في حسّ السامع ، والهشاشة في نفسه ، وما يتحلّى به من الرونق والبهجة ، التي يباين بها سائر الكلام حتى يكون له هذا الصنيع في القلوب ، والتأثير في النفوس ، فتصطلح من أجله الألسن على أنه كلام لا يشبهه كلام ، وتحصر الأقوال عن معارضته ، وتنقطع به الأطماع عنها ، أمر لا بدّ له من سبب بوجوده يجب له هذا الحكم وبحصوله يستحقّ هذا الوصف . قال : وقد استقرينا أوصافه الخارجة عنه ، وأسبابه النابتة منه ، فلم نجد شيئا منها يثبت على النظر أو يستقيم في القياس ويطّرد على المعايير . فوجب أن يكون ذلك المعنى مطلوبا من ذاته ومستقصى من جهة نفسه . فدلّ النظر وشاهد العبر على أنّ السبب له والعلّة فيه : أنّ أجناس الكلام مختلفة ، ومراتبها
--> ( 1 ) دلائل الإعجاز : ص 54 - 61 .