محمد هادي معرفة

160

التمهيد في علوم القرآن

ورابع يجهر ، وآخر ينزلق عليه النفس ، وآخر يحتبس عنده النفس . فترى الجمال النغمي ماثلا بين يديك في مجموعة مختلفة ولكنها مؤتلفة لا كركرة ولا ثرثرة ، ولا رخاوة ولا معاظلة ، ولا تناكر ولا تنافر ، وهكذا ترى كلاما ليس بالبدويّ الجافي ولا بالحضريّ الفاتر . بل هو ممزوج مؤلّف من جزالة ذاك ورقّة هذا ، مزيجا كأنه عصارة اللغتين وسلالة اللهجتين . نعم من هذا الثوب القشيب يتألّف جمال القرآن اللفظي ، وليس الشأن في هذا الغلاف إلّا كشأن الأصداف ، تتضمّن لآلي نفيسة ، وتحتضن جواهر ثمينة ، فإن لم يلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين ، ولم تحجبك بهجة الستار عمّا وراءه من السرّ المصون ، ففليت القشرة عن لبّها ، وكشفت الصدفة عن درّها ، فنفذت من هذا النظام اللفظي إلى تلك الفخامة المعنوية ، تجلّى لك ما هو أبهى وأبهر ، ولقيت منه ما هو أبدع وأروع . تلك روح القرآن وحقيقته ، وجذوة موسى التي جذبته إلى نار الشجرة في شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة ، فهناك نسمة الروح القدسية : إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ « 1 » وذكر سيّد قطب عن الإيقاع الموسيقى في القرآن أنه من إشعاع نظمه الخاص ، وتابع لانسجام الحروف في الكلمة ، ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة ، وبذلك قد جمع القرآن بين مزايا النثر وخصائص الشعر معا ، فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة ، فنال بذلك حرية التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة ، وأخذ في الوقت ذاته من خصائص الشعر الموسيقى الداخلية ، والفواصل المتقاربة في الوزن التي تغني عن التفاعيل والتقفية التي تغني عن القوافي ، فشأنه شأن النثر والنظم جميعا .

--> ( 1 ) النبأ العظيم : ص 94 - 99 ، والآية 30 من سورة القصص .