محمد هادي معرفة

152

التمهيد في علوم القرآن

أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ « 1 » فتأمّل هذا التركيب ، وأنعم ثم أنعم على تأمّله ، وتذوّق مواقع الحروف ، واجر حركاتها في حسّ السمع ، وتأمّل مواضع القلقلة في دال « لقد » ، وفي الطاء من « بطشتنا » وهذه الفتحات المتوالية فيما وراء الطاء إلى واو « تماروا » مع الفصل بالمدّ كأنّها تثقيل ، لخفّة التتابع في الفتحات إذا هي جرت على اللسان ، ليكون ثقل الضمّة عليه مستخفا بعد ، ولكون هذه الضمّة قد أصابت موضعها ، كما تكون الأحماض في الأطعمة . ثم ردّد نظرك في الراء من « تماروا » فإنها ما جاءت إلّا مساندة لراء « النذر » حتى إذا انتهى اللسان إلى هذه انتهى إليها من مثلها ، فلا تجفو عليه ، ولا تغلظ ولا تنبو فيه . ثم أعجب لهذه الغنّة التي سبقت الطاء في نون « أنذرهم » وفي ميمها ، وللغنّة الأخرى التي سبقت الذال في « النذر » . وما من حرف أو حركة في الآية إلّا وأنت مصيب من كل ذلك عجبا في موقعه والقصد به ، حتى ما تشكّ أنّ الجهة واحدة في نظم الجملة والكلمة والحرف والحركة ، ليس منها إلّا ما يشبه في الرأي أن يكون قد تقدّم فيه النظر وأحكمته الرويّة وراضه اللسان ، وليس منها إلّا متخيّر مقصود إليه من بين الكلم ومن بين الحروف ومن بين الكلمات . وأين هذا ونحوه عند تعاطيه ! ومن أيّ وجه يلتمس ! وعلى أيّ جهة يستطاع ! وقد وردت في القرآن ألفاظ هي أطول الكلام عدد حروف ومقاطع ممّا يكون مستثقلا بطبيعة وضعه أو تركيبه ، ولكنها بتلك الطريقة التي أومأنا إليها قد خرجت في نظمه مخرجا سريا ، فكانت من أخصر الألفاظ حلاوة وأعذبها منطقا وأخفّها تركيبا ، إذ تراه قد هيّأ لها أسبابا عجيبة من تكرار الحروف وتنوّع الحركات ، فلم يجرها في نظمه إلّا وقد وجد ذلك فيها ، كقوله تعالى :

--> ( 1 ) القمر : 36 .