محمد هادي معرفة

15

التمهيد في علوم القرآن

وقد فصّل هذا المجمل في كتابه ( دلائل الإعجاز ) أبان فيه عن وجه هذا السرّ وكشف عن حقيقته واستخرج لبابه ، قال : واعلم أنّ هاهنا أسرارا ودقائق لا يمكن بيانها إلّا بعد أن نعدّ جملة من القول في النظم وفي تفسيره وبيان المزية من أين تأتيه ؟ وما أسباب ذلك وعلله ؟ وقد علمت إطباق العلماء على تعظيم شأن النظم وتفخيم قدره والتنويه بذكره ، وإجماعهم أن لا فضل مع عدمه ، ولا قدر لكلام إذا هو لم يستقم له ، ولو بلغ في غرابة معناه ما بلغ . وأنه القطب الذي عليه المدار ، والعمود الذي به الاستقلال ، فكان حريّا بأن توقظ له الهمم وتتحرّك له الأفكار وتستخدم فيه الخواطر . واعلم أن ليس النظم إلّا أن تضع كلامك الوضع الذي تقتضيه قواعد الأدب فتعمل على أصوله وتعرف مناهجه وتحفظ رسومه التي رسمها لك ، فلا تخلّ بشيء منها ولا تزيغ عنها . وذلك أنّا نعلم أنّ الذي يجب أن يبتغيه الناظم في كلام أن ينظر في وجوه كل باب وفروقه ، فينظر مثلا في وجوه الخبر من نحو قولك : زيد منطلق . وينطلق . والمنطلق . وهو المنطلق . وينطلق زيد . ومنطلق زيد . . . وفي الشرط والجزاء : إن تخرج اخرج . وإن خرجت خرجت . وإن تخرج فأنا خارج . وأنا خارج إن خرجت . وإن خرجت خارج . وفي وجوه الحال : جاءني زيد مسرعا وجاءني يسرع . وجاءني وهو مسرع أو وهو يسرع . وجاءني وقد أسرع . أو قد أسرع بلا واو . فيعرف لكل من ذلك موضعه ، ويأتي به حيث ينبغي له . وينظر في الحروف التي تشترك في معنى ، ثمّ ينفرد كل واحد منها بخصوصيتها . فيضع كلّا من ذلك في خاصّ معناه ، مثل أن يأتي ب « ما » في نفي الحال . وب « لا » لنفي الاستقبال . وب « إن » الشرطية فيما يترجّح بين أن يكون وأن لا يكون . وب « إذا » فيما علم أنه كائن . وينظر في الجمل التي تسرد ، فيعرف موضع الفصل فيها من موضع الوصل ،