محمد هادي معرفة

141

التمهيد في علوم القرآن

إنّ هذا لسرّ عجيب ! كانت العرب تعرف أنه ليس بشعر ولا بسحر ، وقد شهد بذلك كبراؤهم وزعماؤهم في الفصاحة والبيان . غير أنهم لمسوا فيه إناقة الشعر وروعته الخلابة ، ووجدوا فيه تأثير السحر ونفاذه في مسارب القلوب . فإذ لم تذعن بأنه كلام اللّه العزيز الحميد ، استكبارا وعنادا مع الحقّ الصريح وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا « 1 » لجأت إلى الافتراء وقول الزور فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ . « 2 » . والسجع : يطلق على طراز بلاغيّ خاصّ ، تستخدم فيه فقرات قصيرة ذات كلمات مقفّاة ، إلّا أنه مع هذا متميّز عن الشعر بأنه غير خاضع لقافية واحدة ولا لوزن خاصّ . ولعلّ السجع أول أسلوب مختار ارتضاه العرب قبل أن يصطنعوا البحور المقيسة . وهذا الأسلوب من التعبير ، كثيرا ما كان الكهنة يستعملونه في نبوءاتهم أيام الجاهلية . . . وإن كان هو الشائع أيضا بين الخطباء وأرباب الحكم من العرب الأوائل « 3 » . واشتهر في بلاد العرب جماعة كبيرة من الكهّان والكواهن ، أقدمهم شقّ وسطيح ، وحكاياتهما أشبه بالخرافات منها بالحقائق « 4 » . ومن الكهّان الذين نبغوا

--> ( 1 ) النمل : 14 . ( 2 ) يونس : 32 . ( 3 ) دائرة المعارف الاسلامية ج 11 ص 295 . وراجع تاريخ الآداب العربية لجرجي زيدان : ج 1 ص 210 - 212 . ( 4 ) زعموا أنّ شقّا كان شق إنسان ( نصفه ) بيد واحدة ورجل واحدة وعين واحدة . وأنّ سطيحا كان لحما يطوى كما يطوى الثوب لأعظم فيه غير الجمجمة ووجهه في صدره . وزعموا أنّ هذين الكاهنين عاشا بضعة قرون . . . إلى غير ذلك من الأوهام .