محمد هادي معرفة
13
التمهيد في علوم القرآن
1 - دقيق تعبيره ورقيق تحبيره يمتاز القرآن على سائر الكلام بدقّته الفائقة في تعابيره ، واضعا كل شيء موضعه اللائق به ، مراعيا كل مناسبة - لفظية كانت أم معنوية - في إناقة تامّة ، لم تفته نكتة إلّا سجّلها ، ولم تفلت منه مزيّة إلّا قيّدها ، في رصف بديع ونضد جميل ، جامعا بين عذوبة اللفظ وفخامة المعنى ، متلائما أجراس كلماته مع نوعية المراد ، متماسك الأجزاء ، متلاحم الأشلاء ، كأنما أفرغت إفراغة واحدة ، وسبكت في قالب فذّ رصين . بحيث لو انتزعت لفظة من موضعها أو غيّرت إلى غير محلّها أو أبدلت بغيرها لأخلّ بمقصود الكلام واضطرب النظم واختلّ المرام ولقد كان ذلك من أهمّ دلائل صيانته من التحريف ، فضلا عن كونه سند الإعجاز . أضف إليه جانب « لحن الأداء » هو تناسب جرس اللفظ مع نوعية المفاد ، من وعد أو وعيد ، ترغيب أو ترهيب ، أمر أو زجر ، عظة أو حكمة ، فرض أو نفل ، مثوبة أو عقاب ، مكرمة أو عتاب . . . إلى غيرها من أنواع الكلام ، كل نوع يستدعي لحنا في الخطاب يخالفه نوع آخر . الأمر الذي راعته التعابير القرآنية بشكل بديع وأسلوب غريب . وكان سرّا غامضا من أسرار إعجازه ، ودليلا واضحا على كونه صنيع من لا يعزب عن علمه شيء ، وقد أحاط بكلّ شيء علما .