محمد هادي معرفة
87
التمهيد في علوم القرآن
وثانيها : أن يكون لأمر حاصل في كلّ ألفاظه وأبعاضها ، وهذا قول من قال : إنّ إعجازه إنّما كان لما فيه من بيان الحقائق والإسرار ، والدقائق مما يكون العقل مشتغلا بدركها ، فإنّ العلماء من لدن عصر الصحابة ( رضي اللّه عنهم ) إلى يومنا هذا ما زالوا يستنهضون منه كلّ سرّ عجيب ، ويستنبطون من ألفاظه كلّ معنى لطيف غريب ، فهذا هو الوجه في إعجازه على رأي هؤلاء وثالثها : أن يكون وجه إعجازه لأمر حاصل في مجموع ألفاظه وأبعاضها ، ممّا لا يستقلّ بدركه العقل ، وهذا هو قول من قال : إنّ الوجه في إعجازه ما تضمّنه من الأمور الغيبيّة ، واللطائف الإلهية ، التي لا يختصّ بها سوى علّامها ، فهذه هي أقسام دلالة المطابقة ، تكون على هذه الأوجه الثلاثة التي رمزنا إليها . الوجه الثاني : أن تكون تلك الدلالة على جهة الالتزام ، وهذا مذهب من يقول : إنّ القرآن إنّما كان معجزا لبلاغته ، وفسّر البلاغة باشتمال الكلام على وجوه الاستعارة ، والتشبيه المضمر الأداة ، والفصل ، والوصل ، والتقديم ، والتأخير ، والحذف ، والإضمار ، والإطناب ، والإيجاز ، وغير ذلك من فنون البلاغة . الوجه الثالث : أن تكون تلك الدلالة من جهة تضمّنه لما يتضمّنه من الأسرار المودعة تحت ألفاظه التي لا تزال على وجه الدّهر غضّة طريّة يجتليها كلّ ناظر ويعلو ذروتها كلّ خرّيت ماهر ، فظهر بما لخّصناه من الحصر أنّ كون القرآن معجزا ، إمّا أن يكون للصّرفة ، أو للنظم ، أو لسلامة ألفاظه من التعقيد أو لخلوّه عن التناقض ، أو لأجل اشتماله على المعاني الدقيقة ، أو لاشتماله على الإخبار بالعلوم الغيبية ، أو لأجل الفصاحة والبلاغة ، أو لما يتركّب من بعض هذه الوجوه أو من كلّها ، كما فصّلناه من قبل ، ونحن الآن نذكر كلّ واحد من هذه الأقسام كلّها ، ونبطله سوى ما نختاره منها واللّه الموفق . المبحث الثاني : في إبطال كلّ واحد من هذه الأقسام التي ذكرناها سوى ما نختار منها . وجملة ما نذكره من ذلك مذاهب :