محمد هادي معرفة
54
التمهيد في علوم القرآن
مع أنّهم كانوا هم الغاية في الفصاحة ، والمشار إليهم في الطلاقة والذلاقة ، وقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله ، فلم يعارضوه وعدلوا عنه ، لا لوجه سوى عجزهم عن الإتيان بمثله . ولا يمكنك أن تعرف صحّة هذه الجملة إلّا إذا عرفت وجود محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) وأنه قد ادعى النبوّة ، وظهر عليه القرآن ، وسمع منه ولم يسمع من غيره ، وأنّه تحدّى العرب بمعارضته وقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله فلم يأتوا به ، لا لوجه سوى عجزهم وقصورهم عن الإتيان بمثله . فمتى عرفت هذه الوجوه كلّها كنت عارفا بنبوّة محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) . أمّا وجوده ، وادعاء النبوّة ، وانّ القرآن ظهر عليه ، وسمع منه ولم يسمع من غيره ، فمعلوم ضرورة ، ولا مانع يمنع من حصول العلم بهذه الأشياء وما جانسها اضطرارا ، فإنّ العلم بالملوك والبلدان ويكون المصنّفات منسوبة إلى مصنّفها ضرورة . وأمّا تحديه العرب بمعارضة القرآن ، وتقريعه إيّاهم بالعجز عن ذلك ، ففي أصحابنا من جعل العلم به ضروريّا ، ومن جعله مكتسبا . ومن جعله مكتسبا قال : ليس المرجع بالتحدّي إلّا أن يعتقد أنّ له مزيّة على غيره بسبب ما معه ، وهذا كان حال النبي ( عليه السّلام ) مع القوم ، فكان يعتقد أنّه خير الناس لمكان ما جاء به من القرآن ، فكيف يمكن إنكار أنّه لم يتحدّاهم بمعارضته ولم يقرعهم بالعجز عن الإتيان بمثله ؟ وأيضا فكتاب اللّه تعالى مشحون بآيات التحدّي ، وهي مسموعة الآن والتحدّي قائم على وجه الدهر ، وفي الفصحاء كثرة في هذه الأزمان ، فيجب أن يأتوا بمثله . ومتى قالوا : أنّ الفصاحة تناقصت الآن كالشعر ، قلنا : إن أمكن أن يقال ذلك في الشعر فلا يمكن في الفصاحة ، ففي خطباء هذه الأزمنة من لا يداني كلامه كلام أفصح فصيح في ذلك الزمان . فهذا واصل بن عطاء ربّما تفي خطبة من خطبه بكثير من كلام فصحاء أولئك العرب . وهذا أبو عثمان