محمد هادي معرفة
49
التمهيد في علوم القرآن
الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ « 1 » تنبيها أن تأليفه ليس على هيئة نظم يتعاطاه البشر ، فيمكن أن يزاد فيه كحال الكتب الأخر . فإن قيل : ولم لم يبلغ بنظم القرآن الوزن الذي هو الشعر ، وقد علم أن للموزون من الكلام مرتبة أعلى من مرتبة المنظوم غير الموزون ، إذ كلّ موزون منظوم وليس كلّ منظوم موزونا ؟ قيل : إنما جنّب القرآن نظم الشعر ووزنه لخاصيّة في الشعر منافية للحكمة الإلهيّة ، فإن القرآن هو مقر الصدق ، ومعدن الحق . وقصوى الشاعر : تصوير الباطل في صورة الحق ، وتجاوز الحدّ في المدح والذم دون استعمال الحق في تحرّي الصدق ، حتى إن الشاعر لا يقول الصدق ولا يتحرى الحق إلّا بالعرض . ولهذا يقال : من كانت قوّته الخيالية فيه أكثر كان على قرض الشعر أقدر . ومن كانت قوّته العاقلة فيه أكثر كان في قرضة أقصر . ولأجل كون الشعر مقرّ الكذب نزّه اللّه نبيّه ( عليه السّلام ) عنه لما كان مرشحا لصدق المقال ، وواسطة بين اللّه وبين العباد ، فقال تعالى : وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ « 2 » فنفى ابتغاءه له . وقال : وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ « 3 » أي : ليس بقول كاذب . ولم يعن أن ذلك ليس بشعر فإن وزن الشعر أظهر من أن يشتبه عليهم حتى يحتاج إلى أن ينفي عنه . ولأجل شهرة الشعر بالكذب ، سمّي أصحاب البراهين والأقيسة المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية ، وما وقع في القرآن من ألفاظ متزنة فذلك بحسب ما يقع في الكلام على سبيل العرض بالاتفاق وقد تكلم الناس فيه . وأمّا الإعجاز المتعلّق بصرف الناس عن معارضته : فظاهر أيضا إذا اعتبر ، وذلك أنه ما من صناعة ولا فعلة من الأفعال محمودة كانت أو مذمومة ، الّا وبينها وبين قوم مناسبات خفية ، واتفاقات إلهية بدلالة أن الواحد يؤثر حرفة من الحرف فينشرح صدره بملابستها ، وتطيعه قواه في مزاولتها فيقبلها باتساع قلب ،
--> ( 1 ) فصلت : 41 - 42 . ( 2 ) يس : 69 . ( 3 ) الحاقّة : 41 .