محمد هادي معرفة
46
التمهيد في علوم القرآن
ثمّ أخذ في تحديد البلاغة وإماطة اللثام عن وجوهها المحتجبة ، وكذا الفصاحة بقسميها اللفظيّ والمعنويّ ، وضرب لذلك مثلا بآية وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ . . . « 1 » وبيان جهاتها الأربع من جهتي المعاني والبيان ، وهما مرجعا البلاغة ، ومن جهتي الفصاحة المعنويّة واللفظيّة وأسهب في الكلام عن ذلك ، وقال - أخيرا - : وللّه درّ التنزيل ، لا يتأمّل العالم آية من آياته ، إلّا أدرك لطائف لا تسع الحصر « 2 » . وغرضه من ذلك : أنّ لحدّ الإعجاز ذروة لا يبلغها الوصف ، ولكن يمكن فهمها ودرك سنامها ، بسبب الإحاطة بأسرار هذين العلمين ، فهي حقيقة تدرك ولا توصف . 5 - رأي الراغب الأصفهاني : لأبي القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني ( توفي سنة 502 ) صاحب كتاب المفردات ، رأي في إعجاز القرآن يخصّه ، أنّه يرى من الإعجاز قائما بسبكه الخاصّ الذي لم يألفه العرب لحدّ ذاك ، فلا هو نثر كنثرهم المعهود ، لأنّ فيه الوزن والقافية وأجراس النغم . ولا هو شعر ، لأنّه لم يجر مجرى سائر أشعار العرب ولا على أوزانها المعروفة وإن كانت له خاصيّة الشعر ، من التأثير في النفس بلحنه الشعريّ النغميّ الغريب . قال - بعد كلام له في وصف إعجاز القرآن قدّمناه آنفا - : وهذه الجملة المذكورة ، وإن كانت دالّة على كون القرآن معجزا ، فليس بمقنع إلّا بتبيين فصلين : أحدهما : أن يبين ما الذي هو معجز : اللفظ أم المعنى أم النظم ؟ أم ثلاثتها ؟ فإن كل كلام منظوم مشتمل على هذه الثلاثة .
--> ( 1 ) هود : 44 وسنذكرها في ج 5 ص 76 . ( 2 ) مفتاح العلوم : ص 196 - 199 .